منوعات
“حكاية تنتظر صاحبها”
في تلك المدينة البعيدة... تسكن حكاية منسية.
تراقب أفواه الجدّات...وتحدّق طويلًا في عقارب الساعات الجدارية.
هي حكاية مختلفة؛ ليست من محض الخيال... بل من صميم الواقع… موجودة، ومنبوذة... لا يجرؤ أحد على الاقتراب من تفاصيلها.
أهو الخوف؟ أم خيانة للأحداث كي لا يلمسها الحكواتي؟ لا أحد يعرف.
تجمع الحكاية أنفاسها كل ليلة...وترحل بعيدًا علّها تجد من يحتويها ويفهمها...لكنها تعود خاوية الوفاء... ملتصقة بآهات قديمة لا تفارقها.
وفي ليلة لا تشبه ليالي الخريف في تشرين الأول... طرق أحدهم باب المنزل المهجور.
اختبأت الحكاية خلف ظلّ القنديل... وحبست أنفاسها.
دخل الغريب...وقد غسل المطر كتفيه من غبار الطريق... وكانت قبعته الممزقة تروي تعب الرحلة.
خلع جواربه المبللة... وعلّق معطفه... وترك القبعة مكانها تغطي شعره الأشعث.
كان يتعامل مع تفاصيل البيت كمن يحفظها... رغم أنه غريب عن الحكاية.
تمدد فوق الأريكة الوحيدة في الغرفة الباردة.
ذراعه اليمنى بلا حراك تلامس الأرض...ويده اليسرى خلف رقبته.
كأنه يتكئ في بستانٍ محروق... يحدّق في السقف، مرتعبًا من خشبه المتآكل.
وفجأة، قفز كالمَلسوع... وصرخ:
أين أنا؟
أين أنا؟
أين اختفى طلاء الجدران؟
ارتجفت الحكاية... واختبأت داخل الصمت... وكتمت شهقة الذهول.
لم يكن الصوت غريبًا… كان يسكن جوفها منذ زمن.
ذلك البيت الذي احترق يوم اندلاع الحرب.
وذلك الغريب… كان صاحبه.
عاد من براثن الهزائم ونهاية القتال.
عاد فاقدًا ذاكرته… لكنه لم ينسَ عنوان البيت.
في عقله الباطن...بقيت طريق واحدة.
طريق العودة من حيث غادر.
كانت الحكاية تنتظر عودته منذ سنوات... لتخبره بكل الوجع.
لكنه تأخر كثيرًا... حتى صارت هي الوجع نفسه.
اقتربت منه... تسللت بين روحه وعقله.
ثم استسلمت للصمت.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!