رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
ثقافة وفن

بين (بَجَمَالِيُون) القبرصي و (سيدتي الجميلة) في الحارة المصرية

د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
وقت القراءة: 1 دقيقة
هل سبق وقرأت في الأدب المقارن حكاية تهاجر من الرخام للطوب اللبن؟ هل رأيت الميثولوجيا وهي تخلع تاجها وتلبس المنديل؟ منذ علّم الله آدم الأسماء كلها، والإنسان يتعلّم صنعة التشكيل. يشكّل من الصخر تمثالاً، ومن الحرف بياناً، ومن الطباع سلوكاً. يبدع في تهذيب ما حوله... ثم يقف عاجزاً أمام طبعه. ثلاثةُ عصورٍ على خريطةِ الخلقِ: رخامٌ في قبرص، ضبابٌ في لندن، وطينٌ في الحارة. وثلاثةُ رجالٍ ظنوا أنهم آلهةٌ بيدها أزميل. وامرأة واحدة يعاد تشكيلها كل مرة باسم جديد: (غَلَاطِيَة)، (إِلِيزَا دووليتل)، (صدفة). فالسؤال ليس ماذا صنعوا بلهجتها ، السؤال: ماذا صنعت لهجتها بهم حين نطقت؟ أولاً: (بَجَمَالِيُون) وأزميل الحب في قبرص، نحت (بَجَمَالِيُون) من العاج امرأة لم يجدها في النساء. كان يهرب من خيبات الواقع إلى كمال الخيال، يعاني ما سمّاه علم النفس لاحقاً "عقدة بيجماليون": حب الصورة المثالية التي صنعها، وخوفه من عيوب الواقع الحي. يقبّل شفتيها الباردتين كل ليلة. فلما دبّت فيها الحياةُ بمعجزةٍ، فتحتْ عينيها من عاجٍ، ورمته بنظرةٍ لم ينحتها، وقالتْ: "جسدي دافئٌ.. فلماذا يدُكَ ترتجفُ يا من نحتني؟ أتخافُ من نبضِكَ الحيِّ أكثرَ مما أحببتَ رخامَكَ الميت؟" فسقط الأزميل من يده.. حين اكتشف أن الصورةَ التي لا تنكسر، هي الصورةُ التي لا تتنفس. ثانياً: (هنري هيجز) ومخبر اللهجة ثم نزلنا من زرقة المتوسط إلى ضباب لندن. هنا يقف (هنري هيجز)، بطل مسرحية Pygmalion لبرنارد شو، والتي عرفناها في فيلم My Fair Lady - (سيدتي الجميلة). (هيجز) لم يحمل إزميلاً، بل حمل مسطرة الصوتيات. ظن أنه السيد الذي يشكّل، و(إليزا) العبد الذي يتشكّل. لكن جدلية السيد والعبد عند هيجل انقلبت: فالعبد -إليزا- هي من منحت السيد -هيجز- وعيه بنقصه حين رفضت أن تكون صدىً له. درّب (إِلِيزَا دووليتل) شهوراً حتى نطقت: "The rain in Spain stays mainly in the plain". فلما نجحت في الحفل الملكي، خلعت فستان السهرة ونظرت له وقالت بلهجة الشارع اللي حاول يمحوها: "أنا مش مشروعك يا أستاذ.. أنا إليزا، بنت الزبال!" هنا فهم هيجز ما لم يفهمه يونج إلا متأخراً: كان يُسقطُ ظلَّهُ - كلَّ ما يكرهُهُ في طبقتِهِ من خشونةٍ وعاميةٍ - على إليزا. فلما استقامَ لسانُها، استقامَ ظلُّهُ في وجهِهِ وفضحَهُ. فهم أن الحرف ممكن يتعلّم، لكن الكرامة لا تُهذّب. ثالثاً: (كمال بك) وضحكة الحارة ثم نزلنا من ضباب لندن إلى دخان الشاي في الحارة المصرية. هنا لا رخام ولا مختبر. هنا (كمال بك) المحامي، الذي جسده الفنان فؤاد المهندس، يقف أمام (صدفة) في "سيدتى الجميلة" ويحاول "يهذّب" خفة دمها حسب 'ماهيته' هو. لكن سارتر كان سيردُّ عليه: "الوجود يسبق الماهية". (صدفة) لم تأتِ لتُعرّف، بل لتوجد. يعلّمها الاتيكيت وهي ترد عليه ببراءة الحارة: "أنا عيب؟ حرام عليك يا راجل.. دي أنا!" فضحك وسقط القلم من يدِهِ. لأن الحارة علّمته قاعدة لم يتعلّمها (بَجَمَالِيُون) ولا (هيجز): الأصيل لا يُشكّل، الأصيل يُحب كما هو. (صدفة) لم تكن تريدُ أن تصيرَ "هانم"، كانت تريدُ أن يرى "الهانم" التي فيها من الأول. الخاتمة: انكسارُ الأزميل. بجماليون صارَ أسيرَ تمثالِهِ لأنه عشقَ صمتَهُ، وهيجز خسرَ تلميذتَهُ لأنه أرادَها صوتَهُ، أما كمال بك فربحَ قلبَهُ حينَ سمحَ لصدفةَ أن تكونَ صوتَ الحارةِ كلِّها. الثلاثةُ أمسكوا الأزميلَ ليُغيروا المرأة.. فكانت المرأةُ هي المرآةُ التي كسرتْ أصنامَهم. فالنحتُ الحقيقي ليسَ أن تصنعَ الآخرَ على صورتِكَ، بل أن تجرؤَ على تحطيمِ الصنمِ الذي صنعتَهُ لنفسِكَ حينَ ينظرُ إليكَ الآخرُ بعينينِ حرتين. لأن كلَّ بجماليون فينا، يخافُ من امرأةٍ تقولُ له: أنا لستُ درسَكَ... أنا امتحانُكَ. فهل ستنجحُ في حُبِّي، أم سترسبُ في حُبِّ نفسِكَ؟ الهوامش والمراجع ١. عقدة بجماليون: مصطلح نفسي يشير إلى ميل الشخص لحب الصورة المثالية التي يصنعها للآخر، ونفوره من واقعه. انظر: R. Rosenthal & L. Jacobson, Pygmalion in the Classroom, 1968. ٢. أسطورة بجماليون: وردت في الكتاب العاشر من التحولات Metamorphoses للشاعر الروماني أوفيد Ovid، حيث تمنحه أفروديت معجزة إحياء التمثال. ٣.Shaw, Bernard. Pygmalion. London: Constable & Co., 1916. المسرحية الأصلية التي بنى عليها شو فكرته. My Fair Lady, 1964.٤ فيلم٤موسيقي من إخراج George Cukor، مقتبس عن مسرحية شو. عُرف عربياً باسم "سيدتي الجميلة ٥. جدلية السيد والعبد: مفهوم فلسفي عند هيجل Hegel في كتابه فينومينولوجيا الروح، يصف كيف يصل السيد إلى وعيه بذاته من خلال اعتراف العبد به، بينما العبد يصل لوعيه من خلال عمله. ٦. مفهوم الظل عند يونج: Jung, C. G. Aion: Researches into the Phenomenology of the Self. يرى يونج أن "الظل" هو الجانب المظلم المكبوت في الشخصية الذي يسقطه الفرد على الآخرين. ٧. مسرحية "سيدتى الجميلة": ١٩٦٩ ٨. الوجود يسبق الماهية: المبدأ الأساسي في فلسفة جان بول سارتر الوجودية. Sartre, Jean-Paul. L'existentialisme est un humanisme, 1946. أي أن الإنسان يوجد أولاً ثم يصنع ماهيته باختياراته، عكس الأشياء المصنوعة التي تُحدد ماهيتها قبل وجودها.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!