رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
ثقافة وفن

شَهْرَزَادُ وَكَاتِبُ الْعُقُودِ .. أُوبْرِيتٌ فَلْسَفِيٌّ شِعْرِيٌّ

د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
وقت القراءة: 1 دقيقة
    المكان: لا مكان. الزمان: كلُّ ساعةٍ يَضْعُفُ فيها إنسان. المشهد الأول بين شهرزاد وشهريار شهريار: هاتي حديثًا يا شهرزادُ، فقد شَبِعَتْ أُذُني من أخبارِ السيوفِ والرِّماح، وسَئِمَ قلبي حكاياتِ الملوكِ والأفراح. شهرزاد: بلغني أيها الملكُ السعيد، ذو الرأي الرشيد، أنَّ للروحِ جوعًا لا يُشبِعُهُ الرغيف، وعطشًا لا يرويه النهرُ ولا الخريف. وأنَّ الناسَ منذ هبوطِ آدمَ من الجِنان، ما زالوا يَبيعونَ أعمارَهم في سوقِ الأماني والأثمان. شهريار: ومن المشتري؟ شهرزاد: رجلٌ لا تراه العيون، وتلمحُهُ الأرواحُ حين تكثرُ الظنون. يجلسُ عند مفترقِ الشهوات، ويفتحُ دفترَ الرغبات، ويقولُ لكلِّ عابر: اكتبْ ما تشتهي... وأنا أُحسِنُ صياغةَ المُشتهى. شهريار: ومن يكون؟ شهرزاد: كاتبُ العقود. شهريار: وهل رأيتِه؟ شهرزاد: رأيتُهُ عند عالمٍ أرادَ أن يبتلعَ السماء، وعند فتىً أرادَ أن يَسرقَ العمرَ من الفناء، وعند فقيرٍ أرادَ أن يشتري الدنيا بالرجاء، وعند امرأةٍ جعلتِ الحلمَ أكبرَ من الوفاء، وعند أخرى ظنت أن الهروبَ خلاصٌ من الشقاء. وفي كلِّ مرةٍ كان الحبرُ رغبة، وكان الختمُ شهوة، وكان الثمنُ روحًا من نور. المشهد الثاني ظهور كاتب العقود يخرج من الظل. كاتب العقود: رويدكم قبل اللعنات. فأنا لستُ صانعَ الرغبات. أنا لا أزرعُ الأشواكَ في البساتين، لكنني أبيعُ للناسِ طريقَ الياسمين. أنا لا أخلقُ الطمع، لكنني أُجمِّلُ له القناع. أنا لا أصنعُ السقوط، لكنني أبيعُ للمتعبين سلّمًا قصيرًا نحو الهبوط. شهريار: ومن أنت؟ كاتب العقود: أنا الذي عرفتموه ألفَ عام. أنا إبليس. أنا صاحبُ الوعدِ اللامع، والبابِ الناعم، والطريقِ المختصر. أنا لا أُكرِهُ أحدًا على الشر، ولكنني أُزيِّنُه حتى يُشبهَ الخير. أنا لا أقبضُ على الأيدي، بل أُعطيها القلم. فإن وقّعت..صار العقدُ عقدَها. المشهد الثالث فاوست شهرزاد: جاء فاوستُ يحملُ جبالًا من الكتب، وبحارًا من التعب. قال: يا كاتب العقود، قرأتُ الفلسفة، وشربتُ العلوم، وحاورتُ النجوم. وما زلتُ أجهلُ سرَّ الوجود. كاتب العقود: أتريدُ معرفةً لا آخرَ لها؟ فاوست: نعم. كاتب العقود: إذن وقِّع. فوقَّع. وأُعطِيَ من اللذاتِ ما شاء، ومن التجاربِ ما شاء، ومن الأسرارِ ما شاء. لكنَّ روحه كانت كلما امتلأتْ ازدادت فراغًا. وكان كلما اقتربَ من الأفق ابتعدَ الأفق. فصاح: أين النهاية؟ فضحكَ إبليس: وهل للظمأ نهاية؟ وهل تُملَكُ الشمسُ في راحة اليد؟ فقالت المرآة: يا فاوست، لقد طلبتَ العلمَ ليكونَ إلهًا، فصار عليكَ بلاءً. المشهد الرابع دوريان جراي شهرزاد: وجاء دوريانُ كأنَّ الربيعَ قد ارتدى هيئةَ إنسان. قال: أريدُ وجهًا لا يشيخ، ووردًا لا يذبل، وصباحًا لا يرحل. كاتب العقود: وقِّع. وأعطاه لوحة. وقال: دعْها تحملُ عنكَ التجاعيد. فوقَّع. ومرَّت الأعوام. وبقي الوجهُ بدرًا. لكن اللوحةَ تحولت إلى مقبرة. كلُّ ذنبٍ كان يظهرُ فيها. وكلُّ خيانةٍ كانت تنبتُ فيها. وكلُّ شهوةٍ كانت تحفرُ فيها قبرًا جديدًا. فصرخ: أنقذيني أيتها المرآة. فقالت: أنا لا أكذب. لقد خبأتَ القبحَ عن الناس، فأظهرتهُ روحُك لنفسها. المشهد الخامس أحمدي شهرزاد: وجاء أحمدي، يجرُّ خلفهُ فقرَ السنين. قال: يا كاتب العقود، لقد أكلَ الجوعُ أيامي، وسرقَ الحرمانُ أحلامي. كاتب العقود: أتريدُ المال؟ قال: بل أريدُ الدنيا. قال: وقِّع. فوقَّع. فجاء المال، وجاء الجاه، وجاء السلطان. لكنَّ الضحكةَ لم تجئ. وكان القصرُ يكبر، والفراغُ يكبر. حتى صاح: أين السعادة؟ فقالت المرآة: لقد اشتريتَ الأبوابَ والنوافذ، ونسيتَ أن تشتري السلام. المشهد السادس بوفاري وحميدة شهرزاد: وجاءت بوفاري. تحملُ قلبًا أكبرَ من قريتها، وحلمًا أكبرَ من بيتها. كانت تبحثُ عن حبٍّ يشبهُ القصائد، وعن رجلٍ يشبهُ الفرسان. فقال لها إبليس: الحياةُ ظلمتك. وقِّعي. فوقّعت. فطاردت السراب، حتى ضاع العمر، وبقي الحساب. ثم جاءت حميدة. تضيقُ بالزقاق، وتسخرُ من الأوراق، وتحلمُ بمدينةٍ من بريق. فقال لها إبليس: هناك شمسٌ أكبر. وقِّعي. فوقّعت. فأضاعت الطريق، وهي تبحثُ عن الطريق. فقالت المرآة: ليس كلُّ ما يلمعُ ذهبًا، ولا كلُّ ما يضيقُ سجنًا. المشهد السابع محاكمة الروح المرآة: كفى. لقد سمعنا كاتبَ العقود. فاسمعوا أنفسكم. هو لم يكتبْ رغباتكم. هو لم يخلقْ شهواتكم. هو فقط أعطاها أسماءً جميلة. فالذنبُ ليس في القلم، بل في اليد. وليس في الطريق، بل في القدم. وليس في الباب، بل في القلب إذا عمي. المشهد الأخير يتقدم الإنسان. ويأخذ القلم من يد إبليس. الإنسان: سمعتُ فاوست، وسمعتُ دوريان، وسمعتُ أحمدي، وسمعتُ بوفاري وحميدة. فرأيتُ أن الهاويةَ واحدة. ليس الهلاكُ في العلم. ولا في الجمال. ولا في المال. ولا في الحلم. بل الهلاكُ حين نريدُ الثمرةَ قبل جذورها، والوصولَ قبل خطاها، والنهايةَ قبل بدايتها. خذ قلمكَ يا إبليس. فلن أبيعَ روحي. إبليس: إذن ضاعَ عقدي. الإنسان: بل نَجَتْ روحي. الخاتمة شهرزاد: يا مولاي. ما أهلكَ فاوستَ العلمُ، بل كِبْرُ العلم. وما أهلكَ دوريانَ الجمالُ، بل عبادةُ الجمال. وما أهلكَ أحمدي المالُ، بل تأليهُ المال. وما أهلكَ بوفاري الحلمُ، بل الهروبُ إلى الحلم. وما أهلكَ حميدة الفقرُ، بل احتقارُ ما تملك. أما الشيطانُ... فلم يكن يومًا مالكَ الأرواح. كان فقط كاتبَ العقود. ينتظرُ غفلةً، ويُزيِّنُ رغبةً، ويُناولُ قلمًا. فإن استيقظَ الإنسانُ سقط العقد. وإن وعى جفَّ الحبر. وإن سعى انكسر القيد. فسكتت شهرزاد. وسكت شهريار. وبقي القلمُ معلقًا بين يدِ الإنسانِ وروحه. السِّتَار.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!