مقالات
رؤيا في محراب الحفظ .. حوار بيني وبين مَلَك في المنام
أنا: يا الله... بلغتُ الأربعين، واشتعل القلب هماً... وكثر عليّ المتشابه.
تاه فؤادي بين "فاكهة" و"فواكه"... وبين "سبح" و"يسبح"... حتى صار حفظي كطيرٍ في كفّ ريح.
أخشى أن أنسى... وأنا الذي نذرت عمري لكتابك... فبمَ ألقاك إذا ضيّعته... وأي وجهٍ لي إذا سُئلت عنه فتلعثمت؟
المَلَك في الرؤيا: لا تجزع يا عبد الله.
إن القرآن عزيز... يُستنزل بالدمع لا بالضجع... ويُستبقى بالسهر لا بالسمر... لا يُعطى إلا لمن صبر... ولا يثبت إلا في قلبٍ انكسر لله فانجبر.
ألا أدلك على مفاتيح ورثها شيوخك؟ هي في أيديهم قناديل... وفي صدرك ستكون أكاليل.
أنا: علمني... يرحمك الله...فوالله ما جئت إلا متعلماً يستقي من بحرك قطرةً ترويه.
المَلَك: سُئلتَ: أين وردت { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ }؟ فترددت حتى كاد العرق يفضحك.
فاحفظها بجملة واحدة... نقشاً على جدار قلبك: "غفر الله للحج محمد يوسف".
غفر الله... في سورة غافر... حيث المغفرة باب.
للحج... في سورة الحج... حيث القلوب تحج.
محمد... في سورة محمد... حيث المقام المحمود.
يوسف... في سورة يوسف... حيث الجب والرؤيا.
أربعٌ لا خامس لها... كأركان الكعبة لا سادس لها. فإذا سُئلت، ابتسم وقلها.
أنا: رباه... خف والله عني كأنك أمطت عن صدري جبلاً. و"فاكهة" و"فواكه"؟
المَلَك: تلك ميزانها من اسمها، والاسم مرآة المسمى.
إن كان الاسم مفرداً فقل "فاكهة"، لأن المفرد للفرد. كالطور والرحمن والواقعة.
وإن كان الاسم جمعاً فقل "فواكه"، لأن الجمع للجموع. كالمؤمنون والصافات.
المفرد للمفرد، والجمع للجمع. أرأيت عدل القرآن حتى في حرفه؟
أنا: وما ضابط "سبح" و"يسبح"؟
المَلَك: انظر الحرف الأول من اسم السورة:
إن كان فيه نقط فافتتح بـ { يُسَبِّحُ }... كأن النقط تسبيحٌ صاعد. كـ التــغابن.
وإن بلا نقط فافتتح بـ { سَبَّحَ }... كأنه سكون التعظيم. كـ الحــديد.
نقطة واحدة ترفع عنك حيرة ساعة.
المَلَك: ثم اعلم أن لكتاب الله خماسيات... هي كعقدٍ من لؤلؤ منظوم... من أتقنها ملك ناصية البدايات:
خمسٌ بالتحميد: الفاتحة... الأنعام... الكهف... سبأ، فاطر... وكلها مكية... حيث كان الحمد سلاح المستضعفين.
خمسٌ بالتسبيح: الحديد... الحشر، الصف... الجمعة... التغابن... وكلها مدنية... حيث كان التسبيح نشيد الدولة.
خمسٌ بـ { الر }: يونس... هود... يوسف... إبراهيم... الحجر... قصصٌ تثبت الفؤاد إذا ماج.
احفظها تزهر في صدرك.
أنا: إلهي... كأنك رتبت لي القرآن في خزانة من نور... بعد أن كان كعقدٍ انفرطت لآلئه في صدري.
المَلَك: هذه مفاتيح تُهدى ولا تُباع، فهي ميراث النبوة لا ميراث الذهب. فخذها بقوة.
ولكن إياك أن تظنها تغني عن التكرار.فالقرآن أشد تفلتاً من الإبل في عقلها... وصاحبٌ يغار... لا يرضى أن تشرك به نوماً ولا كسلاً.
هو عروس... مهرها السهر... وصداقها الدمع.
واجعل لك في كل ليلة حزباً لا تنام حتى تأتيه... ولو زحفاً على الشوك.
وقل: "اللهم ذكرني منه ما نسيت... وعلمني منه ما جهلت... واجعلني به في الدنيا إماماً... وفي القبر مؤنساً".
ثم أذّن الفجر... فاستيقظت ولساني لم يسكت... ودمعي على خدي يشهد أني وُلدت من جديد... وقلبي يقول: الحمد لله.
وعلمتني الحياة أن القرآن لا يُحفظ بالعقل وحده... فيخونك عند الكِبَر كما خان السيفُ صاحبَه إذا شاخ.
ولا باللسان وحده... فيتتعتع عند الخوف كما يتتعتع الجبان في المعركة.
بل يُحفظ بالقلب الذي يعاهد الله ألا ينام حتى يأتي حزبه... ولو زحفاً على الجمر.
وأن المفتاح ليس في قوة الذاكرة... بل في صدق السريرة مع الله.
فمن صدق مع كتابه... صدقه الكتاب، وفتح له كنوزاً لا تُفتح لغيره.
ومن أخذه ترفاً خيف عليه أن يُنتزع منه... ويُترك كالبيت الخرب تسكنه الغربان.
فاللهم اجعلنا من أهلك وخاصتك، الذين إذا رؤوا ذُكر الله. 0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!