التناقض العالمي: الجميع يهتف لـ “حرية التعبير”.. لكن من يملكها حقاً؟
شوقي المواردي - Shawky Elmawardy
في كل ركن من أركان الكوكب، من الديمقراطيات العريقة إلى المجتمعات النامية، يتفق البشر على مبدأ أساسي واحد: حرية التعبير هي الأكسجين الذي تتنفسه المجتمعات، وبدونها يختنق العقل العام. لكن ماذا يحدث عندما نصطدم بجدار الواقع العريض؟
يكشف أحدث تقارير مركز "بيو Pew" للأبحاث عن مفارقة عالمية صارخة، وفجوة مؤلمة بين "الرغبة" و"الواقع". التقرير لا يسأل الناس عما إذا كانوا يحبون الحرية – فالإجابة البديهية هي نعم – بل يضعهم أمام مرآة بلدانهم ليسألهم: هل تمتلكون هذه الحريات فعلاً على أرضكم؟ وهنا تنهار الأرقام، وتتحول الشعارات إلى خيبات أمل.
فجوة التوقعات: "نريدها، لكننا لا نجدها"
يكشف التقرير عن إجماع عالمي شبه كامل على الأهمية القصوى لثلاثة أعمدة رئيسية: الصحافة الحرة، وحرية الرأي، وإنترنت بلا قيود. الناس يعتبرون هذه الحريات حقوقاً غير قابلة للتفاوض.
ولكن، عندما ينتقل السؤال من "النظرية" إلى "التطبيق العملي" داخل الحدود الوطنية، تتكشف الأزمة. نسبة كبيرة جداً من المواطنين حول العالم يقرون بأن حكوماتهم لا توفر بيئة حقيقية تضمن هذه الحقوق. إنهم يعيشون حالة من "الوعي المقموع"؛ يدركون تماماً شكل الحرية، لكنهم يفتقدونها في حياتهم اليومية.
ساحات المعارك الثلاث
الجمهور يقيم حريته بناءً على ثلاث جبهات أساسية تشهد تراجعاً ملحوظاً:
-
حرية الصحافة (الحارس المُقيَّد): يرى الجمهور العالمي أن وسائل الإعلام هي العين التي تراقب السلطة. لكن الواقع يشير إلى أن الكثيرين يشعرون بأن صحافتهم المحلية إما موجهة، أو خاضعة للرقابة الذاتية، أو تعاني من تضييق حكومي يمنعها من نقل الحقيقة المجردة.
-
حرية الرأي (الكلام بحذر): رغم الإيمان بأن كل فرد يجب أن يعبر عن رأيه في القضايا السياسية والاجتماعية دون خوف من الملاحقة أو السجن، إلا أن التقرير يعكس حالة من "الحذر العام". الناس يزنون كلماتهم جيداً، ويعرفون أن للتعبير الحر ضريبة قد لا يكونون مستعدين لدفعها.
-
الإنترنت (ساحة المعركة الرقمية): الإنترنت الذي وُلد ليكون فضاءً مفتوحاً وبلا حدود، بات اليوم ساحة محاطة بالجدران العازلة، والرقابة، وقيود الحجب. حرية الوصول إلى المعلومات عبر الشبكة باتت امتيازاً يتآكل يوماً بعد يوم في العديد من الدول.
حتى الديمقراطيات ليست محصنة
من أكثر النقاط إثارة للقلق في هذا التقرير هو أن هذا "التشاؤم" لا يقتصر فقط على الدول ذات الأنظمة الشمولية المعتادة. بل يمتد الشعور بتآكل الحريات إلى قلب الدول التي طالما صنفت نفسها كحاضنة للديمقراطية.
المواطنون هناك يشعرون أن التعبير الحر يُسلب منهم ببطء تحت ذرائع مختلفة؛ تارة باسم "الأمن القومي"، وتارة أخرى تحت ستار "مكافحة التضليل والمعلومات المضللة".
الخلاصة: هذا التقرير هو جرس إنذار عالمي. إنه يخبرنا أن الشعوب لم تعد ساذجة؛ فهي تفرق جيداً بين الخطابات الرنانة حول الحريات وبين الحقائق على الأرض.
الرغبة في التعبير ليست ترفاً سياسياً، بل حاجة إنسانية ملحة، والفجوة بين ما يريده الناس وما تمنحه لهم حكوماتهم تخلق حالة من الاحتقان الصامت الذي يهدد استقرار العقد الاجتماعي في العالم بأسره.