رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
مقالات

“حينَ يصبحُ المجدُ سِجْناً”

د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
وقت القراءة: 1 دقيقة
          مِحْبَرَةٌ عَلَى رَقَبَةِ عُمْرٍ_ أنا إنسانٌ أبغضُ القيد. أعشقُ الخبزَ... ولا أركعُ لرغيف. أعشقُ الغاليَ... ولا أُدخلُ في رقبتي سلسلة. ثم جاءت الكتابةُ... فخانتْ كلَّ عهودي مع الحرية. ١. حينَ يتحولُ القلمُ إلى جَلادٍ في البدءِ كانَ القلمُ ريشةً... ثم استحالَ مطرقةً تنحتُ في صخرِ الروح. أنا الذي لم أستعبدْ لرغيفٍ... صرتُ عبداً لجملةٍ لم تُولدْ بعد. قال نيتشه: "أنا أكتبُ بدمي... وليس بحبر." وقال كافكا: "الكتابُ فأسٌ نكسرُ بها البحرَ المتجمدَ في داخلنا." فكسرَ البحرَ... وغرقَ هو. ٢. مَجْدٌ عَلَى الوَرَقِ... وَعُبُودِيَّةٌ فِي البَيْتِ مَجَّدُوا العُلَمَاءَ... ونَسُوا الثمن. نيكولا تسلا - عبدُ الكهرباء ماتَ وحيداً مفلساً في غرفةِ فندق... بعد ٣٠٠ اختراعٍ أنارَ العالم. قال: "لا أهتمُّ إلا بالحقيقة." فأخذتهُ الحقيقةُ... وتركتهُ الدنيا. إسحاق نيوتن - عبدُ السماء لم يتزوجْ قط. قالوا: "تزوجَ من العلم". قضى عمرهُ يفكُّ شفرةَ الكون... فنسيَ شفرةَ البيت. أعطاهُ العلمُ قانونَ الجاذبية... وأخذَ منه قانونَ السكن. طه حسين - عبدُ النور فقدَ بصرهُ... فاستعبدتهُ الكتبُ. قالتْ زوجتهُ سوزان: "كنتُ أقرأُ له ١٦ ساعةً... كنتُ عينيه التي أعماها العشقُ." فصارَ هو عبدَ الكتابِ... وصارتْ هي عبدةَ المكتبةِ. عباس محمود العقاد - عبدُ المحبرة... سُئلَ: لم تتزوج؟ فقال: "الزواجُ لرجلٍ متفرغٍ... وأنا متفرغٌ للفكر." كتبَ ١٠٠ كتابٍ... واشترى بمهرِ عروسٍ مكتبةً. مجدتهُ الأمةُ أديباً... وعاشَ راهباً. ماري كوري - عبدةُ الراديوم نالتْ جائزتي نوبل... وماتتْ بفقرِ دمٍ من الإشعاع. قالتْ ابنتها إيف: "أمي لم تكنْ تملكُ وقتاً لتكونَ أماً... كانتْ تملكُ وقتاً لتكونَ أسطورة." العلمُ خلدها... والعمرُ خانها. فيودور دوستويفسكي - عبدُ الرواية كتبَ "الإخوة كارامازوف" وهو هاربٌ من دائنيه. قالتْ زوجتهُ آنا: "كان يكتبُ ٢٠ صفحةً... وأنا أكتبُ الشيكاتِ للفنادقِ التي نُطردُ منها." الروايةُ رفعتْ اسمهُ للسماءِ... والديونُ سحبتهُ للأرضِ. "العلمُ يتوّجكَ ملكاً على الورقِ... ويجعلكَ عبداً في البيتِ." ٣. صُوَرٌ مِنْ سِجْنِ الحِبْرِ عالمٌ تحتَ لمبةٍ صفراءَ... ظهرهُ قوسٌ انكسرَ من الحمل. أمامهُ جبالُ أوراقٍ... وخلفهُ بابٌ يخرجُ منهُ صوتُ طفلٍ: "أبتِ؟" فلا يجيبُ... لأنَّ الجملةَ لم تكتملْ بعد. زوجةٌ تضعُ الطعامَ ليبردَ ثلاثَ مرات... فتتعلمُ أن تحبَّ طيفاً جالساً في الغرفةِ التي تليها. فكرةٌ عنيدةٌ كجوادٍ جامح... تجركَ حتى تخرَّ... فتنهضُ وتقولُ: "عودي". "الكاتبُ لا يكتبُ الكتابَ... الكتابُ هو الذي يكتبهُ... ويُفقرُهُ." ٤. أَقَيْدٌ هَذَا أَمْ اخْتِيَارٌ؟ قال أينشتاين: "أنا فقط شغوفٌ بشدة." فكانَ الشغفُ سجّانهُ. لو خُيّرتَ بين مجدٍ يأكلُ عمركَ... أو راحةٍ تمحو اسمكَ... فماذا تختار؟ هل تقبلُ أن تكونَ عبداً لمعنىً... إن كانَ هذا المعنى هو الدليلَ الوحيدَ على أنكَ لم تعشْ عبثاً؟ ربما... العبوديةُ الوحيدةُ التي تليقُ بالإنسانِ... هي أن يُستعبدَ لما هو أكبرُ منهُ. "لا تحرني من قيدي... فداخلَ القيدِ وجدتُ سمائي."  
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!