مدن مصر الذكية تستلهم تجارب رواد التخطيط العمراني التكنولوجي
مصطفي دراج - Moustafa Drag
استراتيجية وطنية طموحة تهدف إلى توطين 40 مليون نسمة في مساحات حضرية ذكية بحلول عام 2050.
منذ عام 2016، تبنت مصر التزاماً كاملاً وجريئاً نحو "مبادرة المدن الذكية". ومنذ ذلك الحين، تم إعطاء الضوء الأخضر لتنفيذ 22 مشروعاً عمرانياً متطوراً، مع إدراج 14 مشروعاً آخر قيد التخطيط.
وبالنظر إلى الحجم الضخم لهذا المشروع القومي، تبرز مساحة واسعة لرواد التكنولوجيا العالميين لنقل خبراتهم في هذا المجال إلى الدولة الواقعة في شمال شرق إفريقيا.
من مدن الجيل الرابع إلى تطوير الحواضر القائمة
في البداية، انصب التركيز المصري بشكل أساسي على بناء "مدن الجيل الرابع" من الصفر، ويعد مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي بلغت تكلفته الاستثمارية نحو 58 مليار دولار، النموذج الأبرز لهذا التوجه.
ولكن مع إقرار "الاستراتيجية الوطنية للمدن الذكية" مؤخراً، تحول تركيز الدولة بشكل أكبر نحو تحويل المدن القائمة بالفعل إلى مراكز حضرية مستدامة، وحيوية اقتصادياً، وقابلة للعيش، تزامناً مع السعي لإحياء المناطق القديمة وتحديث الجيل الأول من المدن الذكية.
هذا التحول الاستراتيجي أثار حماساً متجدداً، إلا أنه لم يخلُ من النقاشات المجتمعية. فقد حذر بعض الخبراء وصناع القرار المحليين من أن نهج "الإحلال والتجديد" الشامل للمدن القائمة قد يكون مكلفاً، ومحفوفاً بالمخاطر، وقد لا يحقق النتائج المرجوة بالسرعة الكافية.
وبرزت اقتراحات تطالب بتجربة المبادرات الذكية في مدن ومناطق أصغر كنماذج تجريبية، قبل تعميمها على الحواضر الكبرى المزدحمة مثل القاهرة أو الإسكندرية.
وتعكس هذه المخاوف حجم التحديات العمرانية التي تواجهها مصر، والتي تتجاوز النمو السكاني السريع ونقص الإسكان، لتشمل انتشار المناطق غير المخططة (العشوائيات)، والتركز السكاني الشديد؛ حيث يعيش أكثر من 95% من المصريين على مساحة ضئيلة جداً من إجمالي مساحة البلاد، يتركز أغلبها في وادي النيل والدلتا.

استثمارات ضخمة وعوائد مستدامة
وفي سياق مواجهة هذه التحديات، أوضح المهندس أحمد عبد الوهاب، المدير العام للبنية التحتية في البريد المصري، ملامح الخطة المستقبلية قائلاً: "كجزء من رؤية مصر 2030، تخطط الحكومة لاستثمار 20 مليار دولار لتوطين 40 مليون نسمة في مدن ذكية جديدة بحلول عام 2050.
ولكن لتحقيق هذا الهدف، يجب إعطاء الأولوية القصوى لتطوير بنية تحتية عامة ذكية ومستدامة، تشمل أنظمة النقل، والطاقة، وإدارة النفايات".
وتستلهم مصر في نقاشاتها الحالية الأطر الناجحة لمدن ذكية عالمية مثل سنغافورة، وهلسنكي، ودبي. ويضيف عبد الوهاب معقباً على الدروس المستفادة من هذه التجارب:
"نجحت بعض المدن في الاستفادة من الشراكات بين القطاعين العام والخاص لدمج خدمات النقل والرعاية الصحية والخدمات الحكومية، بينما منحت مدن أخرى الأولوية للحياد الكربوني أو تقديم حزمة شاملة من الخدمات الإلكترونية المؤتمتة بالكامل. يمكننا التعلم من كل هذه النماذج وتطويعها لتناسب احتياجاتنا المحلية".
ويرى الخبراء أن العامل المشترك بين المدن الذكية الناجحة هو التعامل مع التحول الرقمي كعملية مستمرة وليس كمهمة تنتهي بمجرد التنفيذ، بالإضافة إلى الحفاظ على رؤية طويلة المدى، وتعزيز التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع.
ورغم أن التكاليف الأولية المرتفعة تشكل عقبة رئيسية أمام مصر، إلا أن عبد الوهاب يعتبر التركيز عليها نظرة قصيرة الأجل، موضحاً: "قد يستغرق ظهور العوائد المالية بعض الوقت، لكن الفوائد الاقتصادية تتراكم بوضوح على المدى الطويل لتحقق وفورات مالية هائلة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن لأنظمة الإضاءة الذكية خفض التكاليف بنسبة تتراوح بين 50% إلى 70%، بينما تسهم الإدارة الذكية للنفايات في خفض نفقات التشغيل بنسبة تصل إلى 30%".
البنية التحتية الرقمية: الركيزة الأساسية
العنصر الحاسم الآخر لنجاح المدن الذكية هو البنية التحتية الرقمية القوية. ولتجاوز فجوة الخبرات التقنية المطلوبة، تتجه الأنظار نحو عقد شراكات مع كبار موردي التكنولوجيا العالميين، مع الاستثمار المتوازي في بناء الكوادر المحلية. وتبرز حاجة ماسة لتطوير الخبرات في تقنيات تعتمد على البيانات مثل:
إنترنت الأشياء (IoT)، والذكاء الاصطناعي (AI)، وأنظمة الاستشعار، ومنصات تحليل البيانات، ونظم المعلومات الجغرافية (GIS).
وهو ما أكده المهندس سامي شديد، رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لخدمات الاتصالات (NCTS)، مشيراً إلى أن هناك ثلاث ركائز أساسية لتمكين أنظمة المدن الذكية وتعزيز الحوكمة:
شبكات اتصالات سلسة، وقدرات فائقة لمعالجة البيانات، وبنية تحتية آمنة قادرة على إدارة معلومات كل مواطن بخصوصية تامة.
واختتم شديد حديثه بالقول: "لتحقيق ذلك، نعمل جنباً إلى جنب مع شركائنا في القطاع الخاص لتوسيع نطاق التغطية الشبكية، بما في ذلك الاعتماد على الاتصالات عبر الأقمار الصناعية.
ونحن على يقين بأن هذا التوجه سيضمن لنا تلبية الاحتياجات المستقبلية للأعداد المتزايدة من المدن الذكية في مصر".