بناء تحالفات الظل: كيف تحشد الصين حلفاءها لإعادة صياغة العقيدة الأمنية العالمية؟
إعداد وتحليل/ (مصطفي دراج - Moustafa Drag)
لم تعد العاصمة الصينية بكين تكتفي بلقب "مصنع العالم" أو القوة الاقتصادية الزاحفة عبر مبادرة "الحزام والطريق". ففي ظل التحولات الجيوسياسية العنيفة التي تعصف بالنظام العالمي، قررت القيادة الصينية الانتقال من مقعد "المراقب الاقتصادي" إلى مقعد "المهندس الأمني".
هذا التحول الاستراتيجي يتجلى بوضوح في مساعي الصين الحثيثة لحشد شبكة واسعة من الحلفاء والشركاء، بهدف إرساء قواعد رؤية أمنية عالمية جديدة تتحدى بشكل مباشر الهيمنة الغربية وتفكك احتكار واشنطن لمفهوم "حفظ السلم الدولي".
هذا الحراك الصيني لا يعتمد على لغة التهديد العسكري المباشر، بل يستند إلى دبلوماسية ناعمة، واستغلال ذكي للفجوات التي تركها الغرب في تعامله مع دول الأطراف.
وفيما يلي تفكيك وتحليل لأبعاد هذه الاستراتيجية الصينية المتصاعدة:
أولاً: العقيدة الأمنية الجديدة.. تفكيك الإرث الغربي
ترتكز التحركات الصينية الأخيرة على ترويج ما أطلقت عليه بكين "مبادرة الأمن العالمي" (GSI)، وهي مبادرة طرحها الرئيس شي جين بينغ لتكون البديل الفكري والمؤسسي لهيكل الأمن الذي تقوده الولايات المتحدة. الفلسفة الأساسية هنا تقوم على مبدأ "الأمن غير القابل للتجزئة"، وهو المبدأ الذي يرفض توسع التحالفات العسكرية (مثل الناتو) على حساب أمن دول أخرى.
الصين تقدم هذه المبادرة للعالم بوصفها نظاماً لا يعتمد على التحالفات العسكرية الملزمة أو القواعد العسكرية الصارمة، بل يعتمد على "الشراكات الاستراتيجية".
هذا الطرح يلقى صدى إيجابياً واسعاً، لأنه يمنح الدول فرصة التعاون الأمني وتحديث قدراتها الدفاعية دون التورط في التزامات قد تجرها إلى حروب بالوكالة، وهو ما يمثل نقيضاً مباشراً للعقيدة العسكرية الغربية التي طالما ارتبطت بشروط سياسية قاسية.
ثانياً: الجنوب العالمي.. الساحة الرئيسية للمعركة الدبلوماسية
تدرك بكين جيداً أن اختراق المنظومة الغربية المتماسكة أمر شبه مستحيل، لذا وجهت بوصلتها بالكامل نحو "الجنوب العالمي" (إفريقيا، أمريكا اللاتينية، وآسيا الوسطى والجنوبية).
الصين تستغل ببراعة حالة الإحباط المتراكمة لدى هذه الدول من ازدواجية المعايير الغربية في قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي.
من خلال دعوة قادة عسكريين ومسؤولين أمنيين من عشرات الدول النامية إلى منتدياتها، تقدم الصين نفسها كراعٍ محايد وموثوق. وتعرض بكين في هذا السياق حزمة من المغريات تشمل:
تدريب قوات الشرطة والجيش، تزويد هذه الدول بتكنولوجيا المراقبة والأمن السيبراني، وتقديم أسلحة متطورة بأسعار تنافسية وبلا شروط تتعلق بطبيعة النظم الحاكمة. هذا النهج يجعل من الصين شريكاً أمنياً مفضلاً، ويخلق كتلة تصويتية وسياسية صلبة داعمة للرؤية الصينية في المحافل الدولية.
ثالثاً: إطلاق منصات موازية للحوار العسكري والاستراتيجي
لترسيخ هذه الرؤية، أدركت بكين ضرورة خلق منصاتها الخاصة التي تسحب البساط من المنتديات الغربية العريقة. ويبرز هنا "منتدى شيانغشان الأمني" الذي تحول إلى نسخة صينية منافسة لـ "حوار شانغريلا" الذي يُعقد في سنغافورة وتهيمن عليه الرؤى الغربية.
في هذه المنتديات، لا تكتفي الصين باستعراض قوتها العسكرية، بل تفتح المجال واسعاً أمام الدول المناهضة للهيمنة الأمريكية (مثل روسيا وإيران ودول أخرى) لتبادل الرؤى وتشكيل جبهات تنسيقية.
هذه المنصات لم تعد مجرد قاعات للخطابات، بل أصبحت غرف عمليات دبلوماسية تُعقد فيها صفقات التسلح، وتُنسج فيها مذكرات التفاهم الأمنية، وتُطرح فيها حلول صينية للأزمات الإقليمية، مما يعزز صورة بكين كصانع سلام عالمي.
رابعاً: التحدي الوجودي للولايات المتحدة وحلفائها
بالنسبة لواشنطن وحلفائها في الناتو ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن هذا الحشد الصيني لا يُعد مجرد تمرين دبلوماسي، بل هو تهديد وجودي لـ "النظام الدولي القائم على القواعد" والذي أسسته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية.
الولايات المتحدة تنظر بريبة شديدة إلى تصدير الصين لنموذجها الأمني، وتعتبر أن تكنولوجيا المراقبة والذكاء الاصطناعي التي تمنحها بكين لدول الجنوب تُستخدم لتعزيز "الأنظمة الاستبدادية".
كما يخشى الغرب من أن تؤدي هذه الشراكات الأمنية المتشعبة إلى تسهيل بناء قواعد بحرية ولوجستية صينية في مواقع استراتيجية حول العالم، مما يهدد حرية الملاحة ويقيد القدرة العسكرية الأمريكية على الانتشار السريع وقت الأزمات.
خلاصة المشهد
إن سعي الصين لحشد الحلفاء وتشكيل رؤية أمنية عالمية يمثل إعلاناً رسمياً بانتهاء عصر الأحادية القطبية، ليس فقط في شقها الاقتصادي، بل والأمني أيضاً.
بكين اليوم تنسج ببطء ولكن بثبات شبكة من التحالفات غير المرئية، معتمدة على تقديم نموذج أمني يلبي احتياجات الدول النامية دون المساس بسيادتها الداخلية.
وإذا استمر هذا المسار، فإننا نقترب بخطى متسارعة نحو عالم مقسم بين معسكرين أمنيين متوازيين:
أحدهما يقوده الغرب بقواعده التقليدية الصارمة، والآخر تقوده الصين متدثرة بعباءة التنمية والأمن المشترك، في أخطر استقطاب يشهده العالم منذ انهيار جدار برلين.