رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
مقالات

جمال الفكرة وقبح النتيجة | بقلم دكتور راشد الشاشاني

دكتور راشد الشاشاني
وقت القراءة: 1 دقيقة

كي لا تصنعوا بأيديكم «الطبقية الجديدة»

  • لا تفعلها، ولا تقبلها من أحد.
  • لا تكن هشًّا؛ فتأكلك النار.
  • المُحسن في العلن؛ سيّئ في السر.
  • لا تنخفض؛ فتُعتلى.
  • لا تُبَع؛ فتُشترى.
من وحي الشارع وأحداث العالم نبدأ حديثنا. في فرنسا، قطعة من جمال أوروبا وحلم أبناء منطقتنا، تعجّ الشوارع بمظاهر حطام معالم الحضارة، وأدخنة الغضب، ورماد احتراق الأحلام. لن ندخل في التفاصيل بقدر ما نريد التأكيد على اختلاف أساس طبيعة مشهد كهذا بين تلك البلاد ومثيله في بلادنا، لكنّنا نؤكّد أنّ هناك قاسمًا مشتركًا، وإن كان «أصغر من أصغر»، لكنّه يعتمد أساسًا له: تسويق فكرة السلطة. مع الفارق الكبير الذي يغيّر جنس الحديث بين هنا وهناك، يمكننا أن نخصّص حديثنا عن الرضا الشعبي المؤقّت؛ الذي ينتهي غالبًا بمظاهر كتلك التي نشاهدها حتى اليوم في بلادنا. هذا الرضا الذي يحمله حلم الهجرة، تلك الرحلة التي قد تبدأ قبل ميلاد البعض؛ أثناء حملها في ذهن الأهل قبل مولودهم، وهم يسعون إلى تأمين مستوى لائق لحياتهم وحياته. لا تقوم هذه الفكرة على أساس من مبادرة ذاتية بقدر ما تعتمد عقيدةً بُنيت عليها مجتمعاتنا. تقوم هذه العقيدة على «صورة فضيلة»، و«سموّ ملائكي»، و«مرتبة أخلاقية»، و«مكانة معنوية»، وغيرها من أدبيات فكرة الهجرة، لا لذات الهجرة؛ بل لمشهد العودة ومكنون أحلام زمانها. هذا المشهد الذي يحمل في ذخيرته «خدعة» إطلاق الأحلام وتفجيرات الطموحات؛ التي تطرحها السلطة في «سوق حرق سنوات» أبناء بلاد حكمها، وهي تستفيد من حالة الهروب من مسؤولياتها هذه، أمام عجزها عن تحقيق مصالح هؤلاء «مشتري بضاعة بناء المستقبل». المشكلة في مشهد «الخديعة» هذا أنّ المخدوع جزءٌ من هذا المشهد، وشريكه الأبرز في هذا الجرم، حين تأخذه الأنانية نحو التسابق لحيازة مكان التفضّل على الآخرين، حيث تعجبه «مادة الجريمة وقوامها» عندما تستولي على فكره وشخصيته سطوة: «فتح مشاريع تخدم الوطن»، و«تشغيل أبناء الوطن»، و«المساهمة في خفض البطالة»، و«العمل على تقدّم المجتمع»، و«الظهور أمام الكاميرات والإعلام»، و«الشهرة بالإحسان للضعفاء»، ... إلخ. في هذه اللحظة، تجاهلت «الضحية» أنّ مسؤوليات كهذه تقع في صميم عمل السلطة، لا من واجبه هو. لقد أضاعت السلطة، وأضاعت معها الضحية، ليس جهد الضحية وحده، فيما لو استثمر جهده في أرضه؛ بل إنّ الأمر تعدّى ذلك كثيرًا إلى ضياع كلّ مَن تعلّقت حياتهم وارتبطت بـ«الجاني ـ الضحية»، منذ لحظة بدء مفترضة في أرضه، حتى لحظة تمام النجاح وما بعدها، مرورًا بكلّ هذه المراحل، في مقابل ترك الطريق معبّدًا أمام «ذيول السلطة ومحاسيبها» لنهب هذه المواقع. ليس نهبها وحده المؤلم؛ فالأكثر إيلامًا أنّ هذا النهب يكون على «الصوافي»، بلا أدنى جهد أو أقلّ مخاطرة من تلك التي تدفعها الضحية ومن معها ثمنًا لقصة «نجاح الاغتراب» هذه. ويزداد هذا الألم عند أتباع «الجاني ـ الضحية»، في مقابل تضخّم الراحة عند أتباع «السلطة»، التي لا تترك حتى مشهدًا إنسانيًّا إلا وتدخله في اعتبارات التسلّط، سواء الانتخابية أو الجنائية، عند التهرّب من عمليات غسيل الأموال أو تهريب الممنوعات؛ في إطار تبادل الأدوار بين مصلحة السلطة وحاجة الآخرين إلى نفوذها. تنتهي هذه القصة «بكلّ ألم» إلى أن تصبح عقيدةً ونموذجًا قياسيًّا؛ تتناقلها ألسن العامة في كلمات صباحها ومساءها، كقولهم: «بيعمل مشاريع»، و«بيشغّل ولاد البلد»، و«إيده للخير»، و«من المحسنين»، ... إلخ. عقيدة الوصول هذه لم تمكّن الفساد من التسلّط فوق رقاب «أصحاب الهمم»، أو «الشغّيلة» باللهجة العامية، أو أصحاب الطموحات فقط؛ بل جعلت منهم مادةً للانقلاب عليهم من قِبل أمثالهم، لتحوّل جهد هؤلاء الضحايا إلى وقود يحرقون فيه بعضهم بعضًا، خلف مصطلحات مثل «الرياديين»، و«التمكين»، و«المساواة»، و«حقوق الإنسان»، و«تطوير المشاريع»، و«منظمات العمل المدني»، و«دعم المرأة»، و«دعم الضحايا»، و«دعم الطفولة»، وغير ذلك الكثير، ... إلخ. وتكمن في ذلك تفاصيل كثيرة لا مجال لبحثها هنا. لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ بل تعدّاه إلى أن تضع هذه العقيدة سقفًا لأحلام «السعاة المجتهدين المقتدرين»، بحيث لا تتعدى إرادة «المتسلّطين». بمعنى آخر، إنّها «الطبقية الجديدة» التي يتسلّط فيها «التنابل والكسالى والجهلة السارقون» على رقاب وجهود «القادرين». ربما يقول قائل إنّ هذا لن يغيّر من الأمر شيئًا. هناك ما يُقال عادةً: إنّها «صرخة في وادٍ». نحن لا نُقرّ أيّة عقيدة راسخة، ولا نقبل بالمسلّمات، ولا نتجاهل «الغرائب». فإذا عرضنا فكرتنا حول «صرخة الوادي»، قلنا: إنّ من يصرخ في جماعة أو مكان يملؤه الناس، ستنتهي صرخته بانتهاء «نغمتها أو رنينها»، وتبعًا لذلك سينتهي أثرها، بعد أن يقدّم السامع، ولو كان جمعًا كبيرًا، حكمه الآني السريع، الذي يعتمد الظاهر مرتكزًا، وينهي أمر الصارخ قبل أمر صراخه. ما يعني أنّه سيقف أمام جدار أكبر من سابقه، هو: جدار العامة التي قرّرت مصير صراخه؛ بمعنى أنّه لن يتحكّم في صرخته هذه. لكن بالمقابل، إن حوّل صرختك إلى «وادي إصراره ووحدته»، أعفى ذاته من لوم العامة وحكمها، ومتاعب هذا الحكم وتحدياته، وعاد صلبًا أمام هدفه ورؤيته في وجوب سير الأحداث كما يحب هو، لا غيره، وإن طال زمانها. لأجل هذا وغيره، كنت أنت الحَكَم على نفسك، والمنفّذ لأوامرها. حين تفعل ذلك، لن تفوّت على أولئك المتسلّطين فرصة «إحراق عمرك» ونهبك فقط، بل ستفوّت على مَن يؤخّر تقدّمك مَكره فيك.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!