قمة الويب 2024 في لشبونة: عندما يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم خرائط القوة والتجارة العالمية

محمود الشناوي - Mahmoud Elshenawy
في مشهد يعكس تحول التكنولوجيا من مجرد أداة استهلاكية إلى محرك أساسي للسياسة والاقتصاد العالمي، اختتمت قمة الويب (Web Summit) نسختها لعام 2024 محطمة كافة الأرقام القياسية السابقة. لم تكن شوارع لشبونة مجرد وجهة سياحية في نوفمبر الماضي، بل تحولت إلى عاصمة رقمية اجتذبت أكثر من 71,500 مشارك، وما يزيد عن 3,000 شركة ناشئة، إلى جانب صناع القرار، والمشرعين، والمستثمرين من شتى بقاع الأرض، في تجمع ضخم يوصف غالباً بأنه "دافوس التكنولوجيا".
الذكاء الاصطناعي: بين طموح الابتكار ومطرقة التشريع
إذا كان الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) هو ضيف الشرف في الأعوام السابقة، فقد أصبح في 2024 هو "صاحب الدار" والمحور الذي تدور حوله كافة القطاعات. تركزت النقاشات الأعمق هذا العام حول الانتقال من مرحلة الانبهار بالتقنية إلى مرحلة حوكمتها ودمجها في البنى المؤسسية.
- صراع النماذج والسباق نحو الذكاء العام: شهد المسرح الرئيسي مناظرات حامية حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، قادها خبراء بارزون مثل توماس وولف (الشريك المؤسس لـ Hugging Face) وماكس تيجمارك (أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ورئيس معهد مستقبل الحياة). تركز الجدل حول التوازن الدقيق بين دمقرطة التكنولوجيا عبر المصادر المفتوحة، والمخاطر الأمنية والجيوسياسية التي قد تترتب على سباق التسلح في الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
- الأبعاد القانونية والسيادية: مع دخول قوانين التكنولوجيا الجديدة حيز التنفيذ (مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي)، كانت قضايا الملكية الفكرية، وحماية البيانات، وأخلاقيات الآلة حاضرة بقوة. سعت الشركات لفهم كيف ستؤثر هذه التشريعات الصارمة على نماذج أعمالها العابرة للحدود، وكيف يمكن حماية الابتكار دون التعدي على حقوق المبدعين.
التكنولوجيا المناخية (Climate Tech): من الوعود إلى التطبيق الميداني
لم يعد الحديث عن الاستدامة مجرد شعارات للشركات؛ فقد استعرضت القمة حلولاً تقنية وعلمية لمواجهة الأزمات البيئية. برزت ابتكارات تدمج بين التكنولوجيا العميقة والعمل المناخي، مثل الجلسات التي ناقشت تقنيات تحويل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى وقود طائرات مستدام (Sustainable Aviation Fuel)، وهي نقاشات قادتها عقول علمية بارزة مثل د. إيتوشا كيف. هذا التوجه يعكس مساعي حثيثة لتحويل التحدي المناخي إلى قطاع اقتصادي استراتيجي.
التقاطع بين الثقافة والتجارة والسياسة
أثبتت القمة أن التكنولوجيا لم تعد تعمل في فراغ، بل تتشابك بقوة مع كافة مناحي الحياة:
- حضور سياسي وازن: افتتح الحدث رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو، وعمدة لشبونة كارلوس مويداس، في رسالة تؤكد أهمية السيادة التكنولوجية وقدرة المدن الأوروبية على التحول إلى حواضن جاذبة للابتكار والاستثمار.
- ثورة المحتوى وصناعة الإبداع: استضافت القمة شخصيات من خارج الصندوق التقني التقليدي، مثل الفنان ورائد الأعمال "فاريل ويليامز"، لمناقشة كيفية إعادة تعريف التكنولوجيا للعلاقة بين الثقافة والتجارة، وكيف يمكن بناء مجتمعات حقيقية حول العلامات التجارية في عصر المحتوى المولد آلياً.
- تمكين مستدام للمرأة: حققت دورة 2024 إنجازاً ملموساً بتسجيل حضور قياسي للشركات التي تقودها نساء (حوالي 1,000 شركة ناشئة من أصل 3,000)، مما يسلط الضوء على التغير التدريجي والإيجابي في توازنات القوى داخل بيئة التمويل التقني التي طالما سيطر عليها الرجال.
خلاصة المشهد الصحفي
لم تكن قمة الويب 2024 مجرد معرض للمنتجات الحديثة، بل كانت منصة لصياغة العقود الاجتماعية والقانونية الجديدة التي ستحكم علاقة مجتمعاتنا بالتقنية. لقد خرجت لشبونة برسالة واضحة: من يمتلك البنية التحتية للبيانات، ومن يستطيع صياغة التشريعات الأذكى لاحتواء التكنولوجيا وتوجيهها، هو من سيمتلك أوراق اللعبة في المستقبل.