
كتب/ أحمد نور
أكدت صحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية أن الخطر الحقيقي على الاقتصاد الأمريكي ليس إيران ، بل الحرب بلا موارد تمويل كافية.
وتابعت أن الهجوم على إيران يحدث في توقيت حساس للغاية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، إذ تواجه الولايات المتحدة مستوى قياسيًا من الديون، عجزًا متناميًا، وتكاليف تمويل مرتفعة.
وأضافت أن المخاطر لا تكمن في تكلفة صاروخ واحد أو في نقل حاملة طائرات إضافية إلى المنطقة، بل في تحول الحدث العسكري إلى التزام طويل الأمد يمتد لشهور أو سنوات ويعتمد مجددًا على الاقتراض.
الولايات المتحدة تواجه مأزقًا اقتصاديًا في حربها على إيران
افتتاح عملية “زئير الأسد” ، مع الهجوم المشترك للقوات الجوية الإسرائيلية والجيش الأمريكي على إيران، بالإضافة إلى الهجمات المضادة الإيرانية التي استهدفت القواعد الأمريكية في الخليج، يثير أسئلة كبيرة حول تكلفة الحرب مع إيران على الولايات المتحدة والتداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي.
وتابعت الصحيفة أن الخطر الحقيقي يكمن في الأثر طويل الأجل على القدرة المالية لأقوى اقتصاد في العالم، الذي يعاني أصلًا من مستوى ديون تاريخي بينما لم تعد أسعار الفائدة منخفضة، هذا ما قد يحوّل حدثًا أمنيًا إلى أزمة ماكرو اقتصادية.
وأضافت أن التاريخ يقدم أمثلة حقيقية على ذلك، ففي الولايات المتحدة بعد عام 2001، كما في سقوط الإمبراطوريات الكبرى مثل إسبانيا وبريطانيا، أظهرت الحكومات السابقة ثقة مبالغ فيها في أن التمويل بالاقتراض يمكن أن يغطي الحروب المستمرة، إلا أن هذا الثقة تتآكل بمرور الوقت، حتى دون انهيار مفاجئ.
وأشارت الصحيفة العبرية إلى أن تحليل استراتيجية الأمن القومي للحكومة الأمريكية الثانية تحت إدارة ترامب يظهر أن التركيز لم يعد على الشرق الأوسط فقط، بل على منطقة الهندو-باسيفيك حيث تتصدر الصين كتهديد استراتيجي رئيسي لم تستفق الولايات المتحدة بعد لمواجهته بالكامل، السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تمويل عمليتين عسكريتين طويلتين في مسرحين متوازيين.
ووفق الصحيفة فإن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2026 اعتمدت على نهج واقعي مع إعادة ترتيب الأولويات، حيث تقل الالتزامات المفتوحة وتتزايد حماية المصالح الملموسة للولايات المتحدة مع التركيز على خصم استراتيجي واحد هو الصين، بينما يصبح الشرق الأوسط مسرحًا ثانويًا مع التأكيد على منع إيران كهدف استراتيجي محدد.
وفي هذا السياق، تعتبر إسرائيل وفق التقديرات الأمريكية حليفًا استراتيجيًا فعالًا، يوفر الردع والأمان الإقليمي بتكلفة منخفضة مقارنة بالوجود الأمريكي المباشر، ويعد مصدرًا للمعلومات الاستخباراتية والتنفيذية دون الحاجة لتكلفة إضافية كبيرة على الولايات المتحدة.
ومن الناحية المالية، تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن تكلفة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط أعلى بكثير مقارنة بالعمليات الإقليمية الأخرى مثل فنزويلا، مع تكاليف يومية تترواح بين 25 و40 مليون دولار في مرحلة الإعداد، أي ما يعادل مئات الملايين خلال أسابيع قليلة قبل أي قتال فعلي.
وتؤكد هذه الأرقام أن النقاش العام حول تكلفة الحرب لا يركز إلا على الحدث المباشر، بينما التكاليف تتراكم بشكل أسي مع كل يوم إضافي، بسبب استخدام الأسلحة الدقيقة، الصواريخ، واعتراضات الدفاع الجوي، واستنزاف المخزونات.
وكشفت الصحيفة العبرية أن القناة الرئيسية التي تتحول عبرها أي أزمة جيوسياسية إلى حدث ماكرو اقتصادي عالمي هي سوق النفط، أي إضرار بإمدادات النفط يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ما يزيد التضخم، ويرفع توقعات التضخم، ويضغط على العوائد، ويؤدي إلى تشديد نقدي وارتفاع أسعار الفائدة، مما ينعكس في النهاية على تباطؤ اقتصادي.
وقد وضع مركز الدراسات الاستراتيجية أربعة سيناريوهات محتملة لتعطيل إمدادات النفط في حال حدوث صراع عسكري مع إيران، تتراوح من تأثير محدود على صادرات النفط الإيرانية إلى أضرار جسيمة للبنية التحتية النفطية في إيران ودول الخليج، ما قد يدفع الأسعار إلى أكثر من 100 دولار للبرميل وحتى 130 دولارًا في أسوأ الحالات.
التاريخ المالي الأمريكي يظهر أن الأسواق تتفاعل في البداية بعنف أمام الأحداث الجيوسياسية، لكنها تعود تدريجيًا إلى الاستقرار مع تقليل حالة عدم اليقين. إلا أن السؤال الأساسي ليس عن مؤشر الأسهم في الأسبوع الأول، بل عن الدين العام، الفائدة، والتوقعات التي تصل إلى سوق السندات، أي ما إذا كان الحدث يتحول إلى ضغط مالي مستمر يؤثر على الاقتصاد.
وبحسب التقرير فإن الحروب السابقة مثل أفغانستان 2001 والعراق 2003 أظهرت أن الإنفاق العسكري بدون تمويل مناسب يؤدي إلى زيادة الدين العام الأمريكي بشكل متدرج، مع بقاء الثقة بالاقتصاد الأمريكي مستقرة نسبيًا.
كذلك الوضع الحالي للولايات المتحدة أشد صعوبة مقارنة بفترة رئاسة جورج بوش، حيث السياسات التوسعية لا تزال قائمة بينما المؤشرات الاقتصادية أكثر هشاشة. تقرير منظمة المؤسسات المالية الدولية لعام 2025 يظهر أن الديون الحكومية الأمريكية بلغت 122.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع أن يصل الدين القابل للتداول إلى نحو 100٪ من الناتج، ما يقارب مستويات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
مع ذلك، الطلب على الأصول الأمريكية يبقى قويًا، خصوصًا سندات الخزانة، ما يضمن استمرار التمويل الخارجي رغم زيادة الديون.
وأفادت الصحيفة العبرية أن هذا يعني أن الخطر الأكبر ليس إيران، بل خوض حرب بلا تمويل كافٍ، بينما الصين تترقب في الخلفية. أي حرب بدون تمويل حقيقي تشكل تهديدًا طويل الأمد على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، وليس مجرد استخدام للقوة العسكرية، بل استخدام القوة بلا القدرة على دفع تكاليفها.
عيون المجلس سياسية ،اقتصادية ،اجتماعية ،ليبرالية شاملة