
اسلام نور – ESLAM NOUR
مرت ثلاثة أيام منذ أن أُغلقت أبواب مركز “NOVA Spektrum” في مدينة ليلستروم النرويجية، معلنةً انتهاء الدورة العشرين لمنتدى حوكمة الإنترنت التابع للأمم المتحدة. طوال تلك الأيام التي تلت الختام، جلست أراجع مئات الصفحات من الملاحظات التي دونتها كصحفي تنقل بين قاعات الجلسات، والموائد المستديرة، واللقاءات المغلقة في الكواليس.
لقد كانت خمسة أيام من العصف الذهني القاسي، والصدامات الدبلوماسية المكتومة، والمكاشفات التي تثير الرعب أكثر مما تبعث على الاطمئنان. هذا التقرير الختامي والمجمع، الذي أضعه بين أيديكم اليوم في الثلاثين من يونيو.
ليس مجرد سرد لمخرجات مؤتمر أممي انتهى، بل هو “وثيقة تحذير” استخلصتها من قلب الحدث، ومحاولة لتفكيك الشيفرة المعقدة للمستقبل الذي يُرسم لنا جميعاً، خلف أبواب مغلقة، وبأيدي قلة تمتلك مفاتيح التكنولوجيا وثروات وادي السيليكون.
إليكم الخلاصة المكثفة لأهم ما دار في هذا المحفل العالمي، والتي تمثل حجر الزاوية لكل ما سنشهده في السنوات القادمة:
أولاً: انهيار وهم “القرية العالمية”.. وميلاد “القوميات الرقمية” المتوحشة
الدرس الأول والأكثر قسوة الذي عدت به من تغطيتي لهذا المنتدى، هو أن فكرة “الإنترنت العالمي المفتوح”، ذلك الفضاء الحر الذي تخيلنا أنه سيوحد البشرية ويلغي الحدود، قد ماتت إكلينيكياً. النقاشات التي تابعتها بين الوفود لم تكن حول كيفية تحسين هذا الفضاء، بل حول كيفية تقسيمه.
لقد تكشف لي بوضوح أن العالم ينقسم الآن بحدة إلى معسكرات متناحرة تتسابق لبناء جدرانها الإلكترونية. من جهة، هناك نموذج “السيادة السيبرانية” الصارم الذي تتبناه دول كبرى في الشرق، والذي ينظر إلى تدفق البيانات عبر الحدود كتهديد وجودي للأمن القومي، مما يبرر بناء أنظمة مراقبة شاملة وعزل شبكاتها المحلية عن العالم. ومن جهة أخرى، هناك النموذج الغربي الذي يرفع شعار الانفتاح، لكنه في الواقع يسعى لاحتكار البنية التحتية وكابلات المحيطات لضمان بقاء بيانات العالم تحت رحمة خوادمه وشركاته.
النتيجة المباشرة لهذا الصدام، والتي حذر منها الخبراء مراراً في أروقة المنتدى، هي ظاهرة “البلقنة الرقمية” (Splinternet). نحن نتجه نحو عالم لا يوجد فيه إنترنت واحد، بل مجموعة من الشبكات الإقليمية المغلقة، لكل منها قوانينها، وبروتوكولاتها، ومنصاتها الخاصة.
هذا التفتت لن يقتل فقط حرية تداول المعلومات، بل سيحول الفضاء الرقمي إلى ساحة حرب باردة دائمة، تُستخدم فيها الهجمات السيبرانية، وتُقطع فيها كابلات الإنترنت، كبديل حديث لجيوش الدبابات وحركة الأساطيل.
ثانياً: “الصندوق الأسود”.. حينما تتهرب الآلة من دفع فاتورة أخطائها المليارية
الملف الثاني الذي سيطر على نقاشات المنتدى وأثار فزعاً حقيقياً بين الحضور، كان ملف “الذكاء الاصطناعي التوليدي والمسؤولية”. لقد استمعت على مدار أيام لجدال عقيم ومحبط بين أباطرة شركات التكنولوجيا من جهة، والمشرعين وممثلي المجتمعات المدنية من جهة أخرى.
الشركات العملاقة جاءت إلى ليلستروم لترويج سردية واحدة: التكنولوجيا معقدة، الخوارزميات تتعلم ذاتياً في مساحات لا ندركها بالكامل، وبالتالي، لا يجب تحميلنا مسؤولية كل خطأ يصدر عنها.
لكن في المقابل، كانت قصص الضحايا تملأ القاعات؛ فنانون سُرقت إبداعاتهم لتدريب الآلة، موظفون فُصلوا بسبب تقييمات خوارزمية متحيزة، ومؤسسات دُمرت سمعتها بحملات تزييف عميق (Deepfakes) متقنة.
الخلاصة هنا كانت صادمة: التكنولوجيا تتطور بسرعة الضوء، بينما آليات المحاسبة والتعويض البشري ما زالت تعيش في العصر الحجري.
العالم يفتقر تماماً إلى آليات واضحة لإجبار هذه الشركات على تأسيس “صناديق تعويضات” للضحايا. غياب مفهوم “المسؤولية الموضوعية” يعني أن المواطن البسيط سيظل يتحمل منفرداً فاتورة أخطاء الآلة، في حين تستمر الشركات في مراكمة أرباحها الخيالية. هذه المعركة لم تنتهِ في النرويج، بل تم ترحيلها لتصبح القنبلة الموقوتة الأكبر في ساحات القضاء والإعلام خلال العقد القادم.
ثالثاً: تحويل البشر إلى بيانات.. نهاية عصر الحدود التقليدية وحقوق التنقل
من أكثر المحاور التي تركت أثراً عميقاً في تغطيتي، هو النقاش الذي دار حول “الهوية الرقمية” وأنظمة التتبع البيومتري. كصحفي دائم التنقل، أدركت أن جواز السفر الورقي الذي نحمله أصبح أداة ثانوية أمام ما يُعرف بـ “الظل الرقمي”.
المنتدى كشف عن توجه عالمي متسارع نحو “تسليم مفاتيح الحدود لأنظمة الذكاء الاصطناعي”. تأشيرتك لم تعد تُرفض لسبب ملموس، بل تُرفض لأن خوارزمية أمنية قامت بتحليل تاريخك على الإنترنت، وانفعالاتك، وشبكة أصدقائك، وصنفتك كـ “خطر محتمل”.
والأخطر من ذلك هو ما سمعته من دول الجنوب العالمي التي تعاني شعوبها من “الفصل العنصري الرقمي”؛ حيث تفشل الأنظمة الذكية في التعرف بدقة على ملامح أعراق معينة، مما يعرضهم لتوقيف وامتهان مستمر في المطارات، أو يُحرمون من المساعدات الإنسانية لأنهم ببساطة غير مسجلين في أي “قاعدة بيانات حيوية”، ليعيشوا مأساة ما يُسمى بـ “انعدام الجنسية الرقمية”.
نحن إذن أمام حقبة تتآكل فيها حقوق الإنسان في التنقل والخصوصية تحت وطأة الرغبة في الأمن والمراقبة الشاملة.
رابعاً: عجز البرلمانات.. وتغول المافيا السيبرانية
لقد خصصت جزءاً كبيراً من وقتي في المنتدى لتتبع اللقاءات البرلمانية والتشريعية، وخرجت بنتيجة لا تقبل الشك: هناك حالة من الانفصال التام عن الواقع بين سرعة الجريمة وبطء التشريع.
لقد استمعت لصرخات مشرعين وخبراء أمنيين من مختلف القارات يعترفون بعجزهم التام عن ملاحقة شبكات الجريمة السيبرانية (مثل عصابات الفدية).
السبب بسيط: الشرطة تعمل محلياً، والقوانين تُطبق إقليمياً، بينما الجريمة تُدار عالمياً وعبر خوادم مشفرة عابرة للقارات.
وفي ظل غياب بروتوكولات دولية سريعة لتبادل الأدلة الرقمية، وتعنت الدول في تسليم المجرمين لأسباب سياسية، أصبح الفضاء الرقمي هو الملاذ الأكثر أماناً لعصابات الجريمة المنظمة، بل ولأجهزة الاستخبارات التي تمارس تخريباً اقتصادياً تحت غطاء قراصنة مجهولين. هذا الشلل التشريعي سيجعل من أمن بياناتنا الشخصية، وبنيتنا التحتية الحيوية، هدفاً مستباحاً لسنوات طويلة قادمة.
المحطة القادمة: من أوسلو إلى نيويورك.. المعركة لم تبدأ بعد
في ختام هذا التقرير، وبعد استعراض كل هذه المخاوف، يجب أن أضع الأمور في نصابها الحقيقي. منتدى حوكمة الإنترنت (IGF) لم يكن يوماً مصمماً لإصدار قرارات ملزمة، بل هو، كما يصفه المراقبون، “أكبر ورشة عصف ذهني في العالم”.
التوصيات والوثائق الطموحة التي صدرت عنه، تفتقر للأسف الشديد إلى “المخالب التنفيذية”. لا توجد شرطة أممية للإنترنت، ولا محكمة دولية لمحاسبة منصة ترفض الامتثال لمعايير حقوق الإنسان.
لكن الأهمية التاريخية لما حدث في ليلستروم، أنه كشف الأوراق، ورصّ الصفوف، ووحد الخطاب استعداداً لأم المعارك الدبلوماسية: قمة الأمم المتحدة في نيويورك (WSIS+20) العام المقبل.
هناك في نيويورك، ستبدأ المفاوضات الحقيقية لصياغة معاهدات ستكون ملزمة للجميع. هناك سيُحسم مصير “الميثاق الرقمي العالمي”، وسنعرف بشكل قاطع ما إذا كانت البشرية قادرة على كبح جماح وحش التكنولوجيا وجعله خادماً للإنسان، أم أننا سنسلم رقابنا طواعية لنخبة من المهندسين وأباطرة المال الذين سيتحكمون في مصير الكوكب عبر خوارزميات صماء.
انتهت تغطيتي الميدانية لمنتدى حوكمة الإنترنت 2025، لكن المهمة الحقيقية للصحافة، وللمجتمعات الواعية، قد بدأت للتو. علينا أن نبقي أعيننا مفتوحة، وأن نطرح الأسئلة الصعبة، وأن نرفض تحويلنا إلى مجرد بيانات في خوادم الآخرين. المعركة من أجل حقوقنا في الفضاء الرقمي هي معركة الوجود في القرن الحادي والعشرين.
عيون المجلس سياسية ،اقتصادية ،اجتماعية ،ليبرالية شاملة