
اسلام نور – ESLAM NOUR
(متابعة تحليلية لفعاليات اليوم الرابع والأخير من مؤتمر IBC 2025)
في اليوم الرابع والأخير من مؤتمر البث الدولي (IBC 2025) في أمستردام، يختلف المشهد تماماً. تخفت أضواء الشاشات العملاقة، ويهدأ ضجيج العروض الحية في قاعات مركز (RAI)، لتنتقل الإثارة الحقيقية إلى الغرف المغلقة وقاعات كبار الزوار (VIP Lounges). اليوم لم يعد يوماً لاستعراض العضلات التقنية، بل هو يوم “توقيع الشيكات”، ورسم التحالفات الاستراتيجية، وإعلان الصفقات التي ستتحكم في شاشاتنا وهواتفنا خلال السنوات القادمة.
بصفتي مراقباً ومحللاً في جريدة “عيون المجلس”، رصدت في هذا اليوم الختامي تحولات اقتصادية وتشريعية لا تقل أهمية عن الثورة التكنولوجية التي شهدناها في الأيام الثلاثة الماضية. وإليكم قراءتي التحليلية لختام هذا الحدث الاستثنائي:
1. حمى الاستحواذات والتحول نحو (OpEx): وداعاً للنفقات الرأسمالية
أبرز ما لفت انتباهي في أروقة عقد الصفقات هو التغير الجذري في “طبيعة” العقود المبرمة بين شبكات التلفزيون الكبرى ومزودي التكنولوجيا. في الماضي، كانت القنوات تدفع ملايين الدولارات لشراء معدات (نفقات رأسمالية CapEx) تدوم لسنوات.
اليوم، السواد الأعظم من الصفقات المليارية التي تم تمريرها كانت لصالح “الاشتراكات السحابية” (نفقات تشغيلية OpEx). تحالفات ضخمة عُقدت بين شركات الاتصالات الأوروبية والشرق أوسطية مع عمالقة مثل AWS و Microsoft Azure و Google Cloud.
القنوات الآن تدفع مقابل “الاستخدام”؛ تستأجر قوة حوسبة سحابية لتغطية حدث استثنائي (مثل كأس العالم أو انتخابات رئاسية) ثم تخفض اشتراكها بمجرد انتهاء الحدث. التحليل الاستراتيجي: هذا التحول يحرر ميزانيات المؤسسات الإعلامية من أعباء الصيانة وتحديث الأجهزة، ويجعلها أكثر رشاقة ومرونة في مواجهة تقلبات السوق.
2. الشركات الناشئة تسرق الكعكة: معركة حماية الملكية الفكرية
مع التغول المرعب للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي رأيناه في الأيام الماضية، كان هناك رابح خفي في اليوم الأخير: الشركات الناشئة المتخصصة في أمن المحتوى والملكية الفكرية.
شهدت قاعة الابتكار ضخ استثمارات بملايين الدولارات من قبل صناديق رأس المال المغامر (Venture Capitals) في شركات صغيرة تقدم حلولاً برمجية معقدة لـ “تسميم البيانات” (Data Poisoning) أو تقنيات (Anti-Scraping). هذه التقنيات تمنع روبوتات الذكاء الاصطناعي التابعة لشركات التقنية الكبرى من سحب مقالاتنا، وتقاريرنا، ومقاطع الفيديو الخاصة بنا وتدريب نماذجها عليها دون دفع حقوق مادية. التحليل الاستراتيجي: المعركة القانونية القادمة في 2026 لن تكون حول “من سرق خبر من؟”، بل “كيف نمنع الآلة من التهام محتوانا مجاناً؟”.
المؤسسات الصحفية التي لن تحمي أرشيفها رقمياً اليوم، ستجد نفسها تعمل بالمجان لصالح خوارزميات الذكاء الاصطناعي غداً.
3. أزمة “المواهب” الجديدة: مهندس البث القديم يحال للتقاعد
من خلال نقاشاتي الجانبية مع مديري الموارد البشرية لكبرى الشبكات، برزت أزمة حقيقية تسلم الجميع بوجودها: التكنولوجيا تتقدم بسرعة تفوق قدرة الكوادر البشرية على استيعابها.
صناعة الإعلام لم تعد تبحث عن “مهندس بث” (Broadcast Engineer) يتقن ربط الكابلات وضبط إشارات الأقمار الصناعية. البحث اليوم، وبأجور خيالية، يدور حول “عالم بيانات إعلامي” (Media Data Scientist) ومصممي بيئات ثلاثية الأبعاد (Unreal Engine Artists)، وخبراء أمن سحابي. التحليل الاستراتيجي: التوصية الأهم لأي مؤسسة إعلامية جادة هي وقف ميزانيات التدريب التقليدية، وتوجيهها فوراً نحو إعادة تأهيل الصحفيين والمخرجين للعمل في بيئات (IP) والتعامل مع واجهات الذكاء الاصطناعي.
4. نظرة نحو 2026: “المرونة أو الموت”
أُسدل الستار رسمياً على مؤتمر (IBC 2025) في تمام الساعة الخامسة مساءً. وفي تصريحاتها الختامية، أكدت اللجنة المنظمة أن هذا العام كسر كل الأرقام القياسية السابقة. لكن الرسالة الأهم التي حملتها حقيبتي وأنا أغادر أمستردام هي التوصية غير المكتوبة التي أجمع عليها الخبراء: “المرونة أو الموت”.
عام 2026 الذي نستشرفه الآن لن يرحم الكيانات الإعلامية البطيئة. الجمهور يتوقع تجربة شخصية، وتفاعلية، ولحظية. والمؤسسات التي لا تزال تدار بعقلية “الورق” و”الأشرطة” ستصبح مجرد ذكرى في متحف الإعلام.

ختام التغطية
انتهت رحلتنا في أمستردام، لكن العمل الحقيقي يبدأ الآن في صالات التحرير، من قلب الحدث، حاولنا في “عيون المجلس” أن نضعكم في قلب المستقبل، لندرك معاً أن الصحافة باقية، لكن أدواتها قد تغيرت للأبد.
عيون المجلس سياسية ،اقتصادية ،اجتماعية ،ليبرالية شاملة