أوروبا بين مطرقة “ترامب” وسندان “طهران”: الترويكا تغني خارج السرب الأميركي.

كتب: أحمد نور
تتسارع وتيرة البيانات الصادرة عن "الترويكا" الأوروبية لتكشف عن حالة من الهلع السياسي غير المسبوق في أروقة بروكسل وباريس ولندن. إصدار ثلاثة بيانات متتالية خلال أقل من أسبوع ليس مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل هو انعكاس لمأزق استراتيجي تجد فيه القارة العجوز نفسها "مستبعدة" من غرف العمليات الأميركية والإسرائيلية، وفي الوقت ذاته "مستهدفة" بتبعات أي انفجار شامل في المنطقة. هذا الارتباك يظهر بوضوح في التناقض بين المطالبة باستئناف المفاوضات مع طهران، وبين الإحجام عن الدعوة الصريحة لوقف إطلاق النار، مما يجعل الموقف الأوروبي يبدو وكأنه محاولة لضبط إيقاع حرب لا يملكون مفاتيح قرارها.
قواعد الاشتباك الجديدة.. من "أكروتيري" إلى "الظفرة"
لم تعد التهديدات مجرد سيناريوهات نظرية بعد وصول المسيرات إلى محيط قاعدة "أكروتيري" في قبرص واستهداف منشآت في "ميناء زايد" بالإمارات. هذا التطور الميداني نقل الصراع إلى قلب المصالح السيادية الأوروبية؛ فبينما تحاول قبرص التلويح بالمادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي لطلب الحماية الجماعية، تصطدم التعقيدات القانونية بوضعية القواعد البريطانية التي تُعامل كأرض سيادية للندن. ومع ذلك، فإن التحرك اليوناني السريع بإرسال قطع بحرية لدعم الجزيرة، وتأهب القوات الفرنسية في قاعدة "الظفرة" الجوية، يؤكد أن أوروبا باتت منغمسة عسكرياً في "دفاع نشط" يتجاوز حدود حماية المنشآت ليصل إلى محاولة ردع أي تهديد لمصادر الطاقة وخطوط الملاحة الدولية في باب المندب عبر عملية "أسبيد".
مقامرة ستارمر وحسابات ماكرون الصعبة
في لندن، يجد كير ستارمر نفسه في مواجهة عاصفة سياسية داخل مجلس العموم، حيث يحاول تسويق مفهوم "الأعمال الدفاعية" الذي يتضمن ضرب منصات الإطلاق داخل الأراضي الإيرانية كإجراء وقائي. هذه المقامرة البريطانية، التي جاءت بعد ضغوط أميركية شديدة لاستخدام قاعدة "دييغو غارسيا"، تضع بريطانيا في خندق واحد مع واشنطن رغم محاولات ستارمر اللفظية للتمسك بمسافة آمنة. أما في باريس، فالوضع أكثر تعقيداً؛ إذ يتحمل إيمانويل ماكرون عبء حماية الجالية الأكبر في المنطقة (نحو 400 ألف فرنسي)، وهو ما دفع بباريس لإرسال حاملة الطائرات "شارل ديغول" نحو الخليج في رسالة مزدوجة: طمأنة الحلفاء في أبوظبي والمنطقة، وتأمين غطاء لعمليات إجلاء محتملة قد تكون الأضخم في التاريخ الحديث إذا ما خرجت الأمور عن السيطرة.
ألمانيا ميرتس والالتحاق بالنهج الصلب
على المقلب الآخر، يبدو أن ألمانيا بقيادة فريدريش ميرتس قد حسمت خيارها بالالتحاق الكامل بالرؤية الأميركية-الإسرائيلية. تصريحات ميرتس التي تسبق لقاءه مع دونالد ترمب تعكس واقعية ألمانية خشنة، تتخلى عن إرث "الدروس الأخلاقية" وتتبنى مبدأ الضرورة العسكرية. يرى ميرتس أن العمليات الراهنة ضد البرامج النووية والصاروخية الإيرانية هي "عمل ضروري" كان يجب القيام به منذ زمن، مما يعمق الانقسام داخل البيت الأوروبي بين عواصم تحاول البحث عن مخرج دبلومسي، وأخرى ترى في الحسم العسكري وسيلة وحيدة لإنهاء التهديد الإيراني المستمر لاستقرار القارة ومصالحها الحيوية.