سياسة

كيف تحولت حرب أمريكا وإيران إلى استنزاف مفتوح؟

أحمد نور
وقت القراءة: 1 دقيقة
  تقترب الحرب الإيرانية - الأمريكية - الإسرائيلية من إنهاء شهرها الأول، والأزمة بين الولايات المتحدة وإيران ليست في القدرة على الحسم العسكري، بل في إدارة التهديدات طويلة الأمد، والقدرة على الخروج من الحرب الحالية بأكبر قدر من المكاسب العسكرية والسياسية عالميًا وإقليميًا لكل طرف منهما على حدة، بيد أن صانع القرار الأمريكي عليه أن ينظر إلى الحرب الحالية من خلال ماضيه وتجارب واشنطن السابقة في العراق وليبيا، والتي أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفتح الباب أمام فوضى ممتدة، وهو ما يتكرر اليوم مع إيران، حيث يظن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القوة الجوية أو العمليات الخاصة قادرة على إنهاء التحدي الإيراني، بينما الواقع الجغرافي والعسكري والاقتصادي يجعل ذلك شبه مستحيل.   من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف تُهزم إيران؟ بل: كيف يمكن احتواؤها عبر تسويات سياسية واقتصادية تحفظ ماء الوجه للطرفين؟ حيث إن أي مخرج واقعي يتطلب تنازلات متبادلة، مثل وقف إطلاق النار، والتزامات نووية، وتخفيف العقوبات، مع دور محتمل لدول عظمى مثل روسيا والصين كضامن لكلا طرفي الحرب، إذ لا يمكن التصديق بأن المعارك العسكرية هي معارك صفرية، بل هي مأزق مشترك يحتاج إلى إدارة ذكية توازن بين الضغط والاحتواء، وإلا فإن البديل هو استنزاف طويل يضر بالجميع.

طرق الخروج من حرب إيران

تبدأ الحكمة في السياسة الخارجية بالقدرة على التمييز بين المشاكل التي يمكن حلها والمشاكل التي يمكن إدارتها ولكن لا يمكن إصلاحها، فقد تعلم الكثير من رؤساء الولايات المتحدة هذا الدرس بالطريقة الصعبة؛ فقد اعتقد جورج دبليو بوش أن الإطاحة بصدام حسين ستغير وجه الشرق الأوسط برمته، واعتقد باراك أوباما أن إنهاء حكم معمر القذافي سيحقق الاستقرار في ليبيا ويُسرّع من وتيرة الربيع العربي، فيما لم يثبت صحة أي من الخيارين. وكان من الأفضل بكثير إدارة هذه التهديدات واحتواؤها بدلًا من الآثار الجانبية المدمرة التي نتجت عن المحاولات الفاشلة للقضاء عليها، وهي آثار لا تزال تعاني منها أوروبا والشرق الأوسط حتى اليوم، حسبما تشير مجلة فورين بوليسي في تقرير لها. وتضيف أن الرئيس الأمريكي الحالي سقط في الفخ نفسه، معتقدًا أنه قادر على إنهاء التحديات التي تفرضها إيران بدلًا من إدارتها وتخفيف حدتها، وأنه قد بات واضحًا، عقب مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، أن القوة الجوية وحدها لن تُحدث تغييرًا في النظام الإيراني، على الرغم من فعاليتها في القضاء على معظم القادة الإيرانيين. وأنه بينما تُقلل الغارات الجوية بلا شك من عدد السفن الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ، إلا أنها لا تستطيع محو الخبرة النووية الإيرانية، كما أنها لا تستطيع القضاء على قوة الطائرات المسيّرة الإيرانية المراوغة أو ترسانتها سهلة الإخفاء من الألغام وسفن الدوريات الهجومية السريعة والطوربيدات وغيرها من وسائل مهاجمة طرق النقل والبنية التحتية الحيوية التي تعتمد عليها دول الخليج العربي والاقتصاد العالمي. ولا تستطيع القوات البرية حل هذه المشكلة أيضًا، فمن شبه المؤكد أن العمليات الخاصة محدودة النطاق غير قادرة على تأمين الساحل المحصن جيدًا على طول مضيق هرمز أو تدمير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ناهيك عن منع إيران من مهاجمة منشآت الطاقة المعرضة للخطر في دول الخليج أو محطات تحلية المياه الحيوية. وتضيف أيضًا أنه إذا كان القضاء على التهديدات الإيرانية شبه مستحيل، فماذا يمكن لترامب فعله لإدارتها؟ أحد الاحتمالات – استراتيجية "الضربة القاضية" – ستكون على غرار الهجمات الإسرائيلية الدورية على ترسانات أعدائها كلما تم تجديدها. حيث سيُعلن ترامب فعليًا النصر ويُنهي عمليات القصف مع الحفاظ على القدرة على استئناف الهجمات إذا ما أعادت إيران بناء بنيتها التحتية العسكرية المتضررة. إذ يبدو هذا الخيار، الذي يحفظ ماء الوجه، جذابًا ظاهريًا، لكنه في حالة إيران سيكون إشكاليًا للغاية. فمن بين تعقيداته أنه يفترض أن إيران ستتوقف عن هجماتها الحالية إذا أوقفت الولايات المتحدة هجماتها مؤقتًا. إلا أن المتابع للموقف الإيراني سيرى أن طهران لن تقبل وقف إطلاق النار ما لم تحصل على ضمانات بعدم تعرضها لجولة أخرى من الهجمات مستقبلًا. فلا يمكن أن تنتهي الحرب دون موافقة إيران، وهو ما يثير تساؤلًا حول كيفية قدرة الرئيس الأمريكي على إيجاد طريقة لمعالجة المخاوف الأساسية لطهران مع التخفيف من التحديات التي تطرحها، وكيف يمكن أن تبدو مثل هذه الصفقة؟ فأي اتفاق ناجح يتطلب ضمان وقف دائم لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، يشمل إسرائيل أيضًا. ومن الناحية المثالية، لوقف الحرب، أن تلتزم إيران بوقف كل الهجمات على إسرائيل، سواء كانت مباشرة أو عبر وكلاء، بينما تضمن الولايات المتحدة وقف إسرائيل لجميع هجماتها على إيران أو المنظمات المتحالفة معها. مع تجدد طهران التزامها المعلن بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، وتفتح مضيق هرمز بالكامل، وتلتزم بتسعير نصف مبيعاتها النفطية على الأقل بالدولار الأمريكي بدلًا من اليوان الصيني. وفي المقابل، ستمنح واشنطن استثناءات من العقوبات للدول المستعدة لتمويل إعادة إعمار إيران، كما ستسمح لمجموعة محددة من الدول باستئناف التجارة مع طهران وشراء النفط الإيراني، مما سيساهم في تخفيف أسعار الطاقة العالمية. كما أنه من الأفضل أن يتبع ذلك استئناف المفاوضات النووية بهدف القضاء على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وتماشيًا مع الخط الأحمر الذي وضعه ترامب، وهو إنهاء أي احتمال لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، ما يفتح الباب أمام دور روسي لاستضافة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب على أراضيها كجزء أساسي من الاتفاق النووي، إذ يملك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوافع عديدة للعب دور الوسيط. وهذه صفقة مبنية على تنازلات من المؤكد أنها ستواجه مقاومة شديدة في كل من واشنطن وطهران، حيث سيعتبر الكثير من هذه التنازلات غير واقعية، بل وغير قابلة للتطبيق.

مخاوف من تكرار سيناريو أوكرانيا في إيران

وإلى جانب ذلك، تتزايد مخاوف إقليمية وأوروبية من تكرار سيناريو أوكرانيا في إيران، مع استمرار الحرب لأشهر وربما سنوات دون بادرة على انتهائها. فعندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران، كان ترامب يعتقد على الأرجح أنه بإمكانهما إضعاف النظام الإيراني وأن الوضع سيستقر سريعًا، كما حدث مع العملية العسكرية لإزاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير. فما حدث يبدو أقرب إلى حرب روسيا في أوكرانيا منه إلى تدخل واشنطن السريع في فنزويلا، فقد أدى الرد الإيراني العنيف إلى حرب استنزاف وربما جمود مماثل للصراع في أوكرانيا. والولايات المتحدة، مثل روسيا، لا تملك سبيلًا واضحًا لتحقيق نصر حاسم، وتخاطر بالانزلاق إلى حرب لا نهاية لها، وهو ما تشير إليه فورين أفيرز في تقرير لها. ولتجنب تكرار أخطاء روسيا، من المرجح أن تضطر واشنطن إلى قبول حل وسط مع إيران، مقابل فرض قيود دائمة على تخصيب إيران للمواد النووية، وإزالة اليورانيوم عالي التخصيب المدفون في أصفهان وغيرها، ووضع حدود قصوى لصواريخها الباليستية ومدى إطلاقها. وإذا لم يصل طرفا الصراع إلى محطة التفاوض والاتفاق بشكل عاجل، ستمتد الحرب إلى شهور على خطى الحرب الأوكرانية. فقد راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على أن ضربة خاطفة ستشل النظام الإيراني. فعندما أعلنت روسيا بداية الحرب على أوكرانيا في فبراير 2022، اعتقدت موسكو أيضًا أن هجومًا سريعًا على كييف وقادتها سيضمن لها أهدافها، لكنها انتهت بدلًا من ذلك إلى حرب استنزاف. وهو ما تجد الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما الآن في وضع مماثل في إيران، فقد تمكنت طهران من مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول الخليج، وأوقفت معظم صادرات النفط والغاز من الخليج العربي، مما أدى، على الأقل في الوقت الراهن، إلى حالة جمود مماثلة لما تواجهه موسكو في أوكرانيا. وقد تستمر حروب الاستنزاف لسنوات، لا سيما إذا اعتبرت الأطراف الصراع وجوديًا، كما هو الحال مع إيران وإسرائيل، أو بالغ الأهمية لدورها الدولي، كما هو الحال مع أمريكا. إلا أن التوصل إلى حل وسط مع إيران لن يؤدي إلى إنهاء خطر اندلاع حرب جديدة بشكل كامل، وسيتطلب يقظة أمريكية مستمرة. إلا أن المتابع لمجريات الحرب سيرى أن الولايات المتحدة وإيران عالقتان في صراع لا يزيد فيه أي تصعيد جديد إلا من تفاقم مأزقهما المشترك الخاسر، فلا يستطيع أيٌّ منهما إجبار الآخر على الاستسلام، ما يجعل كليهما يبحث بشكل عاجل عن إيجاد مخرج لا يعتمد على إذلال الآخر.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!