رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
مقالات

قضية اللاجئين .. من ضيف مؤقت إلى كتلة ضغط صلبة

اللواء أحمد عبدالبر
وقت القراءة: 1 دقيقة
تحول وطنى شامل واستراتيجى - الأهرام اليومي من واقع مسؤوليتى المجتمعية كقائد سابق لقوات حفظ السلام فى شمال إفريقيا. ومن خلال خبرتى الميدانية في إدارة الأزمات الدولية بالقارة الإفريقية، أجد لزاماً عليّ أن أدق أجراس الخطر اليوم ولأول مرة أكتب فى هذه القضية الشائكة؛ أكتب من واقع معايشة ميدانية وفهم عميق لطبيعة السلوك البشرى فى مناخات النزوح واللجوء، لقد عشت مع هذه المكونات البشرية فى الميدان، وفهمت نمط التفكير والسلوك الذى يحركها. إن قراءة المشهد الحالى لقضية اللاجئين تفرض تنحية الخطاب العاطفى والمجاملات الدبلوماسية جانباً، فنحن بصدد تقدير موقف إستراتيجى شديد الحساسية؛ الحقيقة هي أن مصر تستضيف أعداد تتجاوز قدرتها الإستيعابية الآمنة بمراحل، لقد وصلنا إلى بوادر تصدع في نسيج الدولة نفسها، وتجاوزنا مرحلة العبء الإقتصادى، إلى محاولة لفرض واقع ديموجرافي جديد. لقد تحولت شرائح واسعة من اللاجئين والوافدين من كونهم ضيف مؤقت إلى كتلة ضغط صلبة، وبدأنا نرصد بوضوح تصاعد سلوكيات عدائية وتطاول ممنهج على هيبة القانون، وممارسة سلوك عدائى تجاه المواطن المصرى، بلطجة متزايدة، وتطاول يومى، وتحدى صريح للسلطات؛ وهو نتاج طبيعي للشعور بالإفلات من العقاب وغياب الردع الحاسم. علم إدارة الأزمات الذى مارسته عملياً فى بعثات حفظ السلام للإتحاد الإفريقى، وأكاديميًا من خلال دراساتى المتقدمة فى هذا المجال، يؤكد أن تراكم الإحتكاكات لا يزول أثره، بل يُشحن فى ذاكرة المجتمع حتى وقت الإنفجار الكبير، هى لحظة خروج الزمام من يد الدولة وفقدان السيطرة على الأرض. واذا أردنا إستقراء الغد، فلا بد من النظر في عدسة التاريخ العسكرى الإفريقى الذى خبرتُ تعقيداته؛ فما حدث في كينيا ليس ببعيد، فقد تحول مخيم داداب للاجئين الصوماليين إلى دولة موازية بلا رقابة، إستغلها الإرهابيون للتجنيد والتدريب، وكانت التداعيات كارثية فقد تحول المخيم إلى قاعدة خلفية لحركة الشباب، وتفجير عمليات نوعية داخل كينيا كغاريسا الجامعية 148 قتيل ودوسيت التجارية 67 قتيل، مما كلف الجيش الكيني أثمانًا باهظة. وفي تنزانيا، كان الصراع البوروندي صراع فصائل ونفوذ، وعندما نُقل مع اللاجئين البورونديين إلى مخيم نتوتا غابت هيبة الدولة المضيفة، فكانت التداعيات تحول المخيم إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، واغتيال قادة معارضة داخل المخيم، وإمتداد الإشتباكات إلى القرى التنزانية، مما أضطر الجيش للتدخل مرتين. أما في غانا، كانت الصراعات القبلية في منطقة الساحل لا تعرف الحدود، فنزحت القبائل المتحاربة من مالي وبوركينا فاسو إلى غانا حاملة عداواتها، فكانت التداعيات تحول تجمعات اللاجئين إلى ساحات قتال قبلي على المياه والأرض، وراح ضحيتها أكثر من 200 شخص في عام 2021 وحده. وفي موريتانيا مخيم مبيرا للاجئين الماليين يقع على حدود منطقة الساحل المضطربة، فاستغلت الجماعات المسلحة الفراغ الأمني، وكانت التداعيات تحول المخيم إلى بؤرة لتجنيد المتطرفين، وإتهام الحكومة الموريتانية بدعم الجماعات المسلحة. هذه النماذج تؤكد أن الأمن المجاني خرافة، والمساعدات الدولية مسكنات زائفة مقابل قنابل موقوتة تُزرع في قلب الديموجرافيا المصرية. الآن المقاربة على الواقع المصرى، والمشهد هنا أخطر، لأن تلك الدول تعاملت مع مخيمات معزولة، أما مصر فاللاجئون مندمجون في نسيج المجتمع، ويتزايد تركيزهم في الأحياء الشعبية شديدة الفقر في القاهرة والمحافظات، حيث الدولة غائبة والخدمات منهكة، يعيشون بيننا ويتنافسون على الموارد ذاتها، فالنتيجة أن أي تصدع أمني سينفجر في القلب وفي الشارع وفي المواصلات؛ كينيا إستغرقت عقود للكارثة لأن مخيمها كان معزول، أما في مصر فالإحتكاك يومي ومباشر، وشحن المجتمع يتسارع، كل مشاجرة هي فتيل يُحرق يومياً، كينيا دفعت الثمن، فهل نحن مستعدون لدفع نفس الثمن؟ الخبرة الميدانية تقول - الدول التي تتساهل في أمنها تحت ضغط الإنسانية هي أول من يدفع ثمن التفكك، ومصر إن لم تتحرك الآن لن تكون إستثناء. وبناءً على ذلك، فإن مقتضيات الضرورة العسكرية والأمنية تفرض الإنتقال إلى مرحلة فرض السيادة الحاسمة؛ من خلال حصر شامل لكل لاجئ ووافد يتضمن البصمة الحيوية والتتبع الرقمي الدقيق، مع إتخاذ قرار سيادى لا رجعة فيه بالترحيل الفورى لكل من تسول له نفسه المساس بهيبة الدولة أو أمن المواطن، بعيداً عن أي إعتبارات حقوقية واهية؛ كما يجب على صانع القرار ممارسة ضغط دبلوماسي خشن على المنظمات الدولية، وتحديداً الأمم المتحدة، ومفوضية شؤون اللاجئين، والإتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، لتحمل مسؤولياتها في إعادة التوطين بدول ثالثة، بدلاً من ترك مصر في مواجهة هذا الطوفان البشرى الذى يفوق طاقة أى دولة؛ وتأكيداً لهذه الإنتقائية، فبينما تتعرض مصر لإنتقادات من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بسبب حملاتها الأمنية على السوريين، تعلن ألمانيا رسمياً نيتها ترحيل 80% منهم. إننا أمام معادلة صفرية؛ فإما فرض سيطرة الدولة بجدية صارمة، وإما إنتظار لحظة الإنهيار الأمني أو الرد الشعبي العفوى خارج السيطرة، وكلاهما يعتبر فشل فى حماية كيان الدولة، وهو ما لا يمكن لمواطن شريف يدرك معنى السيادة أن يقبل به أو يصمت حيال إحتمالات وقوعه.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!