مقالات
“طريق إلى بغداد”
تسارع النبض... واشرأبّت الأعناق نحو السماء الماطرة نارًا... اختبأ الناس تحت أسقف البيوت... والرجفة لا تعترف برائحة الإسمنت.
ضمّت أطفالها السبعة إلى جلبابها الأسود... وعيناها تتّقدان عزيمة بلا خوف.
كان الأطفال السبعة أمانةَ زوجها الذي غادر البيت الكبير وانضمّ إلى رجال يقاومون الظلم.
عمَّ الظلام المكان... وصوت القذائف يقترب من الجدران... حتى اهتزّت روحها رعبًا من مصير مجهول.
تسلّلت نحو الفحم... ورسمت خطوطًا مبعثرة فوق وجهها... ظنًّا منها أنّها تخفي ملامحها المرسومة فوق الورق.
ابتعد صوت الأجانب عن حدود بيتها... فكانت الفرصة لتفتح الباب وتلوذ بالفرار مع فلذات أكبادٍ ليست من رحمها.
كانت زوجة أبيهم... لكنها لم تكن مالحة القلب معهم؛ بل كانت الطعم المستساغ لقلوبهم بحنانها وعطفها.
حرمها الله الإنجاب... فعوّضها بسبعة أطفال شداد.
كانت تربّيهم على نهج الكرامة والفداء.
لم تكن أجواء الحرب تخيفهم... ولا تزعزع ثقتهم في تلك اليد التي تحميهم وتحرسهم.
كانت مهمتها أن تصل إلى مكان محدّد ينتظرهم فيه الأب المغوار... لكن الطريق إلى هناك كان يشبه المشي فوق الزجاج المسنّن.
كانت تسرع الخطوات... وأنفاسٌ لاهثة من قلوب صغيرة تتبعها.
الطريق ما زالت طويلة... والفجر يقترب ليبزغ.
كانت تشق الأزقة... وتسمع صوت البكاء والأنين... وتتعثّر بالجثث الملقاة على تراب الوطن...الشاهد على غدر الدنيا.
تتذكّر نصائح زوجها فتصمت رغم الضجيج.
كان قد أوصاها ألا تتوقف عن الركض... وألا تسمح للوقت أن يسرق واحدًا من السبعة... وأن تواصل الطريق مهما كلّفها الأمر.
لم يكن يجمع أن يصل العدد كاملًا إلى أحضانه... لكنها كانت قد عقدت العزم على الوصول بهم جميعًا.
كانت تحيطهم بعينيها دون أن تلتفت... وتعدّ أنفاسهم واحدًا واحدًا.
اعترض طريقها فجأة رجل يحمل سلاحًا... ينظر في عينيها ولا يتوقف عن التفتيش في أنفاسها المرتعبة.
جمعت الأطفال حولها وقالت:
— ماكو شيء يا أخي... خلّيني أكمل طريگي.
رفع الرجل سلاحه قليلًا... وحدّق طويلًا في وجوه الأطفال المتشبثين بطرف جلبابها.
كان الفجر يتهيأ لأن يفتح عينيه على مدينةٍ لم تنم منذ شهور... والبرد ينهش أطراف الصغار بصمت.
قال بخشونة امتزجت بالتعب:
— لوين رايحين؟
ابتلعت خوفها...وشدّت أصابع أصغرهم إلى راحتها المرتجفة... ثم أجابت بصوت خافت:
— ندور على أمان يا أخي... الأطفال تعبوا من الركض.
ظلّ يحدّق فيها كأنّه يفتّش عن حقيقةٍ ضائعة بين ملامحها الملطخة بالفحم.
كانت تشعر أنّ قلبها يركض أسرع من قدميها... وأنّ الأطفال السبعة صاروا نبضًا واحدًا داخل صدرها.
اقترب طفل صغير منها وهمس باكيًا:
— يمّه... أخاف.
فانحنت نحوه بسرعة... ومسحت التراب عن وجنته... وقالت وهي تخفي ارتجاف صوتها:
— لا تخاف... الطريق يعرفنا... وربّك أكبر من الحرب.
ساد صمت ثقيل.
ومن بعيد دوّى انفجار جديد... فارتجفت الأزقة كأن بغداد نفسها تتألم تحت أقدامهم.
خفض الرجل سلاحه أخيرًا... ثم أشار بيده نحو زقاق ضيق تغمره العتمة:
— امشوا من هناك... الشارع الكبير مليان موت.
لم تشكره.
الخوف كان أكبر من الكلمات.
ضمّت أطفالها بعينيها من جديد...وعدّت أنفاسهم واحدًا واحدًا... ثم اندفعت تركض في الزقاق الضيق... بينما كان الفجر يقترب ببطء... كأنه يخشى أن يرى ما فعلته الحرب بالمدينة.
التصقت بالجدران الباردة...وهم يركضون ويركضون ويركضون... حتى صار التعب يجرّ أقدامهم الصغيرة جرًّا.
كانت أنفاسهم تتكسّر في صدورهم كزجاج هش... وهي لا تتوقف عن الالتفات إليهم بعيني أمّ تعرف أن النجاة تُعدّ بعدد الأرواح لا بعدد الخطوات.
وفجأة... بزغ ضوء.
تجمّدوا جميعًا.
تسلّل الخوف إلى قلبها كرصاصة بطيئة... وظنّت لوهلة أنّ الجنود اكتشفوا أمرهم.
دفعت الأطفال بسرعة نحو الحائط... وأحاطتهم بجسدها المرتعش...بينما الضوء يقترب شيئًا فشيئًا.
كان ضوء سيارة تشقّ العتمة بحذر.
توقفت قرب الزقاق... وخرج منها رجل يلفّ عنقه بكوفية داكنة.
لم تحتج إلى رؤية وجهه كاملًا.
عرفت خطواته قبل ملامحه.
همست بصوت اختلط بالبكاء:
— أبوهم... وحبيبي...
ركض الأطفال نحوه دفعة واحدة... كأنّ الحرب لم تنجح في سرقة طفولتهم كاملة.
احتضنهم بعينين متعبتين... ثم رفع نظره إليها.
كانت تقف بعيدًا قليلًا... منهكة... يغطي الفحم وجهها... وقدماها ترتجفان من طول الركض.
نظر إليها طويلًا... كأنّه يرى الوطن كله واقفًا أمامه في هيئة امرأة.
قال بصوت مبحوح:
— وصلتيهم كلهم.
عندها فقط شعرت أنّ قلبها يستطيع أن يبكي.
— إي... هاي أمانتك يا أبو زينب.
مدَّ يده إليها... لكنها لم تمدّ يدها.
نظر في عينيها... فانسكبت منه دمعةُ خسارةٍ موجعة.
ركعت على ركبتيها وهي لا تغادر بنظراتها وجوه الأطفال.
ثم وقعت على الأرض.
كانت قد أُصيبت برصاصةٍ وهي تركض، لكنها لم تسمح للموت أن يأخذ روحها قبل أن تصل.
سال دمٌ طاهر سقى شقوق الأرض المتعبة... وتعالت الأصوات الصغيرة مذعورة:
— يما!
رفعت سبابتها تأمرهم بالصمت... ثم رسمت فوق شفتيها قبلةً واحدة وزّعتها على الوجوه السبعة.
اقترب حبيبها من لحظة موتها... وأجهش باكيًا رغم شموخه.
انحنى وقبّل جبينها... فهمست بصوتٍ يذوب:
— العيال... بسرعة روحوا... بسرعة...
غرف حفنة ترابٍ تحت جرحها، ثم غادر مسرعًا.
كان يلتهم الطريق خوفًا على الأطفال... حتى إذا بلغ مكانًا يشبه الأمان تركهم هناك... وعاد.
عاد يركض نحوها وحدها هذه المرة... ودموع الندم تنهش صدره.
أراد أن يحمل الجسد...أن يغطي وجهها عن العيون... أن يسترها من برد الحرب وفضول الموت.
لكن الموت كان أسرع من كل الأمنيات.
امتدت يد الغدر إليه... واخترقت الرصاصة ظهره.
ترنّح... ثم زحف مستجمعًا ما بقي فيه من قوة... حتى بلغها.
أمسك يدها الباردة... وأسند رأسه قربها...كأنّه أراد أن يكون كفنها الأخير.
مرّت الأعوام بعد تلك الليلة... لكن الحرب لم تغادر أرواح الأطفال السبعة.
كبروا...وصار لكلّ واحد منهم وجه يحمل أثر النجاة وندبة الفقد.
كبرت زينب وصارت تشبهها في طريقة ضمّ الشال حول كتفيها.
أما عليّ فكان كلما غضب يرفع سبابته طالبًا الصمت... فيرتجف إخوته كأنّ المرأة ما زالت بينهم.
كان أبوهم قد نجا بأعجوبة... لكن نصف روحه بقي مدفونًا قرب تلك الحفنة من التراب الأحمر.
عاش بينهم بصمتٍ ثقيل... كأنّه رجل خرج من الموت وترك قلبه هناك.
تنقّلوا بين المدن كطيور مكسورة الجناح... حتى صار لكلّ واحد منهم عمر يشبه الندبة.
ورغم انتهاء الحرب في الشوارع... فإنها لم تنتهِ داخلهم أبدًا.
تغيّرت لغة الأجانب... وصارت الكلمات تُقال بلسانٍ يشبه لسان أهل المدينة.
اختفت الوجوه القديمة...وحلّت محلّها وجوه تعرف أسماء الأزقة ورائحة الخبز وصوت المآذن.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغيّر.
كان الغدر ما يزال يسكن شارع بغداد،
يتبدّل ثوبه فقط،
ويطرق الأبواب بالطريقة نفسها.
وفي مساءٍ بارد...بينما كانوا مجتمعين في بيت صغير على أطراف بغداد... دوّى طرقٌ عنيف على الباب.
تجمّدت الأنفاس.
نظر الأب إلى الوجوه التي كبرت أمامه... وشعر فجأة أنّ الزمن عاد يطارده من جديد.
اقتحم الرجال البيت كعاصفة سوداء.
بعثروا الصور القديمة... قلبوا الأغطية... وداسوا بأحذيتهم على الذكريات.
صرخت زينب:
— شتريدون منّا؟!
لكن أحدهم أمسك بالأب بعنف... وقيّد يديه.
ركض الأبناء نحوه دفعة واحدة... كما ركضوا إليه أطفالًا في ذلك الزقاق البعيد... غير أنّ أيديهم هذه المرّة كانت أكبر... وعاجزة أكثر.
رفع الأب رأسه نحوهم... وكانت عيناه ممتلئتين بذلك الهدوء الذي يسبق الكارثة.
قال بصوت متعب:
— لا تخافون... الرجال تموت واقفة.
اقتادوه خارج البيت تحت ظلامٍ ثقيل.
وكان المطر ينزل ببطء...كأن السماء تحفظ تفاصيل الأسر جيدًا.
وقفت زينب عند الباب... تحدّق في الفراغ الذي ابتلع أباها... ثم همست بصوت يشبه البكاء:
— حتى بعد كل هالسنين... الحرب بعدَها ما شبعت منّا.
ساد الصمت طويلًا.
كانت بغداد خلف النوافذ تبدو مدينةً تعرف كيف تخفي وجعها تحت الضباب.
اقترب عليّ من صورة المرأة التي ربّتهم... ومسح الغبار عنها بحنان.
كانت ما تزال تبتسم في الصورة ذاتها... كأنّ الموت لم ينجح في إطفاء دفئها.
قال بصوت مكسور:
— لو كانت يمّه موجودة... ما كان صار هيچ.
أخفضت زينب رأسها... ثم رفعت عينيها نحو السماء المعتمة وهمست:
— هي بعدَها موجودة... بكلشي يشبه الرحمة.
ترى... هل كان مصير الأب الذي فرّ بجلده ونجا أن يلقى الموت بلا دفن... كما ترك جسدها خاوياً بلا حفنةٍ من تراب الوطن تستره؟
أم أنّ الأرض كروية الشكل فعلًا،
تنتهي من حيث بدأت.
وتعيد للإنسان ما اقترفته يداه ولو بعد حين؟
كان يظنّ أنّه نجا يوم حمل الأطفال وتركها خلفه للحظة،
لكنّ النجاة أحيانًا تكون شكلًا آخر من العقاب.
ظلّ وجهها يطارده في المرايا،
وظلّت يدها الباردة عالقةً في أصابعه كأنّه ما زال يمسك كفنها الأخير.
وحين اقتادوه إلى الأسر.
فهم أخيرًا أنّ الطرق لا تنسى خطوات الهاربين.
فالطرق كلّها تشبه الطريق إلى بغداد.
فقط يختلف اسم البلد. 0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!