خارج التغطية: الجمهور الخفي الذي تجاهلته نشرات الأخبار
شوقي المواردي - Shawky Elmawardy
تخيل أنك تجلس أمام شاشة التلفاز لتفهم ما يجري في العالم، لكن المذيع يتحدث بسرعة البرق، ويقصفك بمصطلحات معقدة، وينتقل من أزمة إلى كارثة دون أن يمنحك لحظة لتستوعب السياق. النتيجة؟
شعور طاغٍ بالقلق، والخوف، والعزلة.
هذا ليس مجرد كابوس افتراضي، بل هو الواقع اليومي لأكثر من 1.2 مليون شخص بالغ في المملكة المتحدة من ذوي صعوبات التعلم. لقد أصبحوا "جمهوراً خفياً" سقط تماماً من حسابات المؤسسات الإعلامية الكبرى.
في تقرير بحثي عميق أجراه الصحفي "ويليام كريمر" خلال زمالته في معهد رويترز، يطرح سؤالاً شائكاً طال انتظاره: كيف يمكن للصحافة السائدة أن تدّعي خدمتها للصالح العام، بينما تقصي أكثر من مليون إنسان من حقهم في فهم الأخبار؟
المشكلة ليست في غياب الاهتمام.. بل في غياب الوصول
منذ عام 2005، أثبتت الدراسات (ومنها أبحاث لـ BBC) أن ذوي صعوبات التعلم يتابعون الأخبار بنهم، ويرغبون بشدة في فهم مجريات السياسة والمجتمع. لكن بعد مرور عقدين من الزمن، لا تزال العقبات كما هي: لغة صعبة، إيقاع سريع، وتوجه يميل إلى "إثارة الرعب".
في حوارات التقرير، تتجلى هذه الإحباطات في أصوات حقيقية:
-
هاري: "كل شيء يمضي بسرعة كبيرة، أتمنى لو يتحدث المراسلون ببطء لنجد وقتاً للفهم."
-
أندرو: "أحياناً أصطدم بحائط من الكلمات الغامضة التي لا أعرف معناها."
-
مو: "أشعر أن الكثير من الأخبار تُصنع خصيصاً لإخافة الناس.. هذا ليس منصفاً."
إنهم لا يطلبون المستحيل؛ يريدون فقط أن يكونوا جزءاً من النقاش العام. كما تقول "لوسي": "أنا أحب الأخبار، وأريد أن أفهم ما يحدث في العالم، وما يفعله رئيس الوزراء."
حول العالم: كيف بدأت ثورة "الأخبار الميسّرة"؟
بينما تتخلف بعض المؤسسات الكبرى، بدأت دول أخرى في ابتكار حلول عملية وعادلة:
-
النرويج (صحفيون وليسوا مجرد جمهور): قناة "TV Bra" غير الربحية كسرت كل القواعد. فريقها مكون من 10 صحفيين من ذوي الإعاقة الذهنية والتوحد (مثل الصحفية إيميلي التي تعاني من متلازمة داون). هم من يقودون الحوارات، يجرون المقابلات السياسية، ويقدمون الأخبار بطريقة جادة ولكن ودودة.
-
ألمانيا والنمسا: تقدم القنوات الحكومية نشرات أخبار يومية بـ "لغة مبسطة". الجمل أقصر، والإيقاع أهدأ، وهي ليست برامج هامشية، بل جزء أساسي من منظومة الأخبار.
-
الولايات المتحدة وبريطانيا: ظهرت مبادرات مثل بودكاست "People First" الذي يديره أشخاص بصعوبات تعلم، ومشاريع صحفية استقصائية مثل "ProPublica" التي توفر نسخاً مبسطة (Easy Read) من تحقيقاتها المعقدة لضمان وصولها للجميع.
ماذا يريدون حقاً؟ (المعادلة الصعبة)
الاعتقاد السائد بأن تقديم "أخبار ميسّرة" يعني "تسطيح المحتوى" أو تحويله إلى محتوى طفولي هو اعتقاد خاطئ تماماً. من خلال جلسات النقاش، لخص المشاركون مطالبهم في نقاط دقيقة:
-
الجدية المغلفة بالود: يريدون أخباراً تحترم عقولهم وتغطّي قضايا جادة كالتغير المناخي والسياسة، ولكن بنبرة ودودة وغير مرعبة.
-
الشرح قبل السرد: لا تكتفِ بإخباري بما حدث، بل اشرح لي خلفية القصة وكيف يمكنني التصرف حيالها.
-
مساحة خاصة ترفض العزلة: يفضلون برامج تناسب وتيرتهم، ولكن مع بقائهم جزءاً من المشهد الإعلامي العام.
الصحافة الشاملة: فرصة وليست عبئاً
تبسيط الأخبار ليس تنازلاً عن المعايير الصحفية؛ بل هو امتداد طبيعي لها. الصحفي الجيد هو من يفهم قصته بعمق يكفي لشرحها ببساطة شديدة لأي شخص.
إن تصميم أخبار يمكن لشريحة أكبر من الناس فهمها لا يقلّص من حجم الجمهور، بل يوسعه ليشمل ذوي الإعاقة الذهنية، وكبار السن، ومن يعانون من مشاكل في الذاكرة، وحتى من يتحدثون لغة البلد كلغة ثانية.
الخلاصة: الصحافة اليوم أمام اختبار حقيقي لتفعيل قيم التنوع والشمول. الأمر لا يتطلب التخلي عن الموضوعية أو الجدية، بل يتطلب تفعيل مهارات أساسية ربما نسيها البعض في زحمة السباق الصحفي: التعاطف، الوضوح، والفضول.