رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
العالم

تحالف “محيط السلام”: كيف تعيد أستراليا بناء جدار الردع في المحيط الهادئ لمواجهة النفوذ الصيني؟

عيون المجلس
وقت القراءة: 1 دقيقة

إعداد وتحليل/ (مصطفي دراج - Moustafa Drag)

لسنوات طويلة، ظلت منطقة جنوب المحيط الهادئ تقبع على هوامش السياسة العالمية، بعيدة عن صراعات القوى الكبرى.

لكن المشهد اليوم يشهد تحولاً زلزالياً، حيث تحولت هذه الجزر الهادئة إلى بؤرة مركزية لتنافس جيوسياسي شرس. في هذا السياق، لم تكن المعاهدة الدفاعية التي وقعها رئيس الوزراء الأسترالي "أنتوني ألبانيز" ونظيره الفيجي "سيتيفيني رابوكا" في العاصمة سوفا في يوليو 2026، مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل هي مناورة استراتيجية محسوبة بدقة، تهدف إلى إعادة تموضع أستراليا كـ "الشريك الأمني المفضل" لدول المحيط الهادئ، وكبح التمدد الصيني المتسارع في المنطقة .

هذا التحالف، الذي يرتقي بفيجي لتصبح الحليف الدفاعي الرسمي الرابع لأستراليا، يمثل رداً منهجياً على الاختلال الأمني الذي ضرب المنطقة منذ توقيع بكين لاتفاقية أمنية سرية مع جزر سليمان في عام 2022.

وفيما يلي قراءة تحليلية لأبعاد هذا التحالف وتداعياته الاستراتيجية:

أولاً: تشريح المعاهدة.. البنية القانونية لـ "محيط السلام"

يُعرف هذا الاتفاق رسمياً باسم "تحالف محيط السلام" (Ocean of Peace Alliance)، وقد صُمم إطاره القانوني بعناية لدمج الدفاع التقليدي مع أدوات المرونة غير التقليدية. تعمل هذه المعاهدة فعلياً كـ "اتفاقية دفاع مشترك"، حيث ينص البند الأساسي فيها على أن أي هجوم مسلح ضد أي من الطرفين في المحيط الهادئ سيُعتبر تهديداً مباشراً لأمن وسلام الطرف الآخر.

الأهم من ذلك، أن هيكل التحالف "مفتوح النهايات" (Open-ended)، مما يوفر مساراً قانونياً وعملياً لدول مجاورة أخرى مثل نيوزيلندا، وبابوا غينيا الجديدة، وتونغا للانضمام إليه مستقبلاً.

هذا الهيكل يهدف في نهاية المطاف إلى بلورة بنية أمنية جماعية واسعة النطاق في المحيط الهادئ، تكون كانبيرا هي مركز الثقل فيها.

ثانياً: التكامل العسكري والميداني كبديل لفخ الديون

فيجي ليست مجرد دولة جزرية عادية؛ بل هي من الدول القليلة في جنوب المحيط الهادئ التي تمتلك جيشاً نظامياً (القوات العسكرية لجمهورية فيجي - RFMF) يتمتع بخبرة دولية واسعة في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. من خلال هذا التحالف، لا تقوم أستراليا بتأمين جغرافيا فيجي ضد الاختراق العسكري الأجنبي فحسب، بل تكتسب أيضاً ميزة التشغيل البيني العسكري (Interoperability) مع القوة المسلحة الأكثر احتراماً في المنطقة.

إلى جانب ذلك، تشمل التزامات كانبيرا تقديم دعم تشغيلي لسفن الدوريات الفيجية، وتحديث البنية التحتية البحرية الاستراتيجية.

هذا النموذج يمثل النقيض المباشر للنموذج الصيني المعتمد على البنية التحتية المادية عبر مبادرة "الحزام والطريق"، والذي غالباً ما يثير مخاوف التبعية العميقة وفخ الديون طويلة الأجل.

ثالثاً: القلق الأسترالي الوجودي من "التنين الصيني"

بالنسبة لصناع القرار في كانبيرا، لم يعد شبح وجود عسكري صيني دائم في المحيط الهادئ مجرد سيناريو نظري يُناقش في مراكز الأبحاث، بل أصبح "تهديداً وجودياً" يجب تحييده.

لقد أثار التمدد الصيني الهادئ، والذي بلغ ذروته مع جزر سليمان، مخاوف حقيقية من أن تجد أستراليا نفسها محاصرة بنقاط ارتكاز صينية تقطع خطوط إمدادها البحرية الحيوية.

لذلك، جاءت هذه التحركات الدبلوماسية الأسترالية المكثفة كجدار صد، يهدف إلى خنق مساحة المناورة الصينية، وإرسال رسالة واضحة بأن الفناء الخلفي لأستراليا لن يُترك شاغراً ليملأه المنافسون.

رابعاً: معضلة فيجي والمشي على حبل التوازنات الدبلوماسية

رغم قوة التحالف، تسعى فيجي جاهدة لتجنب الظهور بمظهر الدولة المنخرطة في تكتلات معادية. حاول رئيس الوزراء الفيجي "رابوكا" خفض حدة التوتر بتأكيده أن التحالف مع أستراليا هو ممارسة لـ "السيادة الوطنية"، وليس عملاً عدائياً موجهاً ضد بكين، ولا يهدف إلى الإضرار بالتعاون الاقتصادي القائم بين فيجي والصين.

ومع ذلك، تدرك بكين جيداً أبعاد هذه التحركات. فالصين، التي تعارض باستمرار تشكيل التحالفات الأمنية وتعتبرها من مخلفات الحرب الباردة، وجهت تحذيرات صارمة في أعقاب توقيع أستراليا لمعاهدات مشابهة، رافضة أي تحركات تستهدف أطرافاً ثالثة أو تقوض مصالحها السيادية.

خلاصة المشهد

تؤكد هذه المعاهدة أن دول جزر المحيط الهادئ لم تعد مجرد "مراقبين سلبيين" في لعبة الأمم، بل أصبحت فاعلاً يمارس وكالته السياسية في ظل الضغوط الساحقة لتنافس القوى الكبرى.

وبينما تنجح أستراليا في تعزيز نسيجها الأمني الإقليمي عبر "محيط السلام"، يبقى السؤال المفتوح: هل ستؤدي هذه الشبكة من التحالفات الصارمة إلى ضمان استقرار المحيط الهادئ،

أم أنها ستدفعه تدريجياً نحو الانقسام إلى كتل متصلبة تُنذر بسباق تسلح وعسكرة غير مسبوقة في المنطقة؟

0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!