رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
العالم

سقوط وهم العزلة الجغرافية: هل تكون اليابان الحل الأمثل لمعضلة نيوزيلندا الدفاعية؟

عيون المجلس
وقت القراءة: 1 دقيقة

إعداد وتحليل/ (مصطفي دراج - Moustafa Drag)

لعقود طويلة، اعتبرت نيوزيلندا موقعها الجغرافي النائي في أقصى جنوب الكرة الأرضية بمثابة درع دفاعي طبيعي يقيها شرور الصراعات الجيوسياسية. لكن التمدد العسكري السريع للصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أثبت أن "العزلة الجغرافية" لم تعد استراتيجية صالحة لحماية الأمن القومي.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تجد القيادة في ويلينغتون نفسها أمام حتمية تحديث عقيدتها الدفاعية، لتبرز اليابان كشريك استراتيجي محتمل قد يوفر الإجابة التي تبحث عنها نيوزيلندا لضمان استقرارها وأمنها المستقبلي.

يتجاوز المشهد اليوم مجرد زيادة الميزانيات، ليصل إلى ضرورة إعادة هندسة التحالفات وتحديث البنية التحتية العسكرية. وفيما يلي تفكيك لأبعاد هذه المعضلة والخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام نيوزيلندا:

أولاً: التهديدات المتصاعدة وانهيار حاجز المسافة

لم تعد التهديدات الأمنية مجرد احتمالات نظرية بالنسبة لنيوزيلندا، بل أصبحت واقعاً يقترب من حدودها بخطى متسارعة. تشير التقييمات العسكرية الحديثة إلى أن صاروخ (DF-27) الباليستي الصيني، الذي يتراوح مداه بين 5000 و8000 كيلومتر، دخل الخدمة الفعلية وبات قادراً، مع بعض التطوير المحدود، على ضرب البر الرئيسي النيوزيلندي بشكل مباشر.

هذا التطور رافقه نشاط بحري مقلق، تجلى مؤخراً في إجراء مجموعة عمل بحرية صينية تدريبات بالذخيرة الحية في بحر تسمان، أسفل ممر جوي حيوي يربط بين أستراليا ونيوزيلندا. نُفذت هذه المناورات دون إنذار مسبق، في خرق صارخ للأعراف الإقليمية، لتوجه بكين رسالة واضحة بقدرتها على إبراز قوتها العسكرية في مياه طالما اعتبرتها ويلينغتون مجالاً بحرياً آمناً.

أضف إلى ذلك حوادث اعتراض واحتكاك الطائرات النيوزيلندية والأسترالية واليابانية بمقاتلات وسفن صينية، مما يضع التجارة والأمن البحري لنيوزيلندا تحت ضغط غير مسبوق.

ثانياً: خطة التحديث البطيئة تحت مقصلة الانتقادات الغربية

في محاولة لمواكبة هذا الواقع الجديد، بدأت الحكومة النيوزيلندية بتعديل بوصلتها الدفاعية. تضمنت خطة القدرات الدفاعية لعام 2025 تخصيص 12 مليار دولار نيوزيلندي على مدى أربع سنوات، بهدف رفع الإنفاق الدفاعي من حوالي 1% إلى أكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال ثماني سنوات.

وتشمل الخطة الاستثمار في قدرات هجومية متقدمة، وفرقاطات جديدة، وطائرات مسيرة بحرية، وأنظمة مراقبة متطورة.

رغم هذه الخطوة الإيجابية، يظل الجدول الزمني بطيئاً جداً مقارنة بتسارع الأحداث الإقليمية، وهو ما عرّض ويلينغتون لانتقادات لاذعة من حلفائها. ففي حوار شانغريلا الأمني لعام 2026، وجه وزير الحرب الأمريكي "بيت هيجسيث" انتقادات حادة لخطة نيوزيلندا واصفاً إياها بـ "الركوب المجاني" (Freeloading)، ومطالباً الحلفاء بإنفاق 3.5% من ناتجهم المحلي.

هذا السجال يعكس تزايد الضغوط الأمريكية على دول المحيط الهادئ لعدم الاعتماد المطلق على التحالف مع واشنطن كبديل للاستثمار العسكري المحلي الفعال.

ثالثاً: اليابان كمرتكز استراتيجي وخبرة لا غنى عنها

إذا كانت نيوزيلندا جادة في إعادة هيكلة قواتها المسلحة لتصبح قوة قتالية رادعة، فإن اختيار الشريك المثالي يعد خطوة حاسمة. إلى جانب أستراليا والولايات المتحدة كمرشحين تقليديين، تبرز اليابان اليوم بقوة على ساحة التحالفات.

طوكيو، التي قررت مضاعفة إنفاقها العسكري في ميزانية 2026 ليتجاوز 58 مليار دولار أمريكي، تمتلك عقوداً من الخبرة في التعامل المباشر مع التهديدات الأمنية التي بدأت نيوزيلندا تواجهها حديثاً.

هذه الخبرة الميدانية في التصدي للتهديدات الصاروخية ومراقبة الأنشطة البحرية الكثيفة تمنح اليابان ثقلاً استراتيجياً وخبرة عملياتية لا يمكن لنيوزيلندا بناءها بمفردها في وقت قصير.

وقد انعكس هذا التقارب في الاجتماع الثلاثي الأول لوزراء دفاع نيوزيلندا وأستراليا واليابان، حيث برز توجه واضح نحو تكاتف الدول ذات "التفكير المماثل" لإنشاء جدار صد يضمن الحفاظ على منطقة "حرة ومفتوحة" في المحيطين الهندي والهادئ.

رابعاً: فرقاطات "موجامي" وتشكيل شبكة الردع الإقليمية

بعد التعديلات القانونية التي سمحت لليابان بتصدير المعدات العسكرية المتقدمة، أصبح بإمكان طوكيو لعب دور محوري في تلبية الاحتياجات التسليحية لنيوزيلندا، وتحديداً في القرار الأهم المرتقب لاستبدال فرقاطات "أنزاك" القديمة. تقف الفرقاطات اليابانية من طراز "موجامي" (Mogami-class) كخيار استراتيجي مفضل، لتنافس الفرقاطات البريطانية من الفئة 31.

الاختيار هنا لا يقتصر على المواصفات الفنية للسفن، بل يتعداه إلى رسم ملامح التحالفات المستقبلية. التوجه نحو "موجامي" – التي تتميز بالتشغيل الآلي الكثيف الذي يناسب دولة ذات مسؤوليات بحرية شاسعة وطاقم بشري محدود – سيؤدي إلى دمج نيوزيلندا ضمن شبكة بحرية صاعدة.

ومع إعلان أستراليا اعتزامها شراء 11 فرقاطة من نفس الطراز، فإن انضمام نيوزيلندا لهذا المشروع سيضمن لها ميزة "التشغيل البيني" مع أستراليا واليابان، وتأمين خطوط إصلاح وتدريب وبرمجيات مشتركة، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الكفاءة القتالية أثناء أي أزمة إقليمية مقبلة.

خلاصة المشهد

لم تعد المسافات الشاسعة تشكل غطاءً أمنياً لنيوزيلندا في مواجهة التطور التكنولوجي وتمدد الطموحات الجيوسياسية الصينية. العزلة الاستراتيجية سقطت بلا رجعة، وويلينغتون اليوم مطالبة باتخاذ قرارات سريعة وجريئة لتعزيز قدراتها الذاتية. الانفتاح على شراكات دفاعية أعمق مع قوى إقليمية وازنة كاليابان لا يمثل فقط حلاً عملياً لمعضلة التسليح البطيء، بل يمثل خطوة مصيرية لضمان بقاء نيوزيلندا فاعلاً قادراً على حماية سيادته ومصالحه في أخطر بيئة أمنية يشهدها المحيط الهادئ منذ الحرب العالمية الثانية.

0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!