رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
مقالات

حين تنظر النجمة إلى درويش .. صورة النجمة بين الحب والغياب والوطن

بقلم الكاتبة/ نجمة عمر
وقت القراءة: 1 دقيقة
ثمة صور شعرية لا تدخل القصيدة لتؤدي وظيفة واحدة... بل تأتي محمّلة بتاريخ طويل من الدلالات... ثم يعيد الشاعر تشكيلها وفق تجربته الخاصة... والنجمة واحدة من هذه الصور التي عرفها الشعر العربي منذ القديم، غير أن محمود درويش يمنحها... في مواضع مختلفة من شعره، حياة أخرى؛ فتغدو أحيانًا علامة على البعد، وأحيانًا على الحلم، وأحيانًا على الوطن... وأحيانًا أخرى مرآةً لعلاقة الإنسان بما لا يستطيع بلوغه. وليس غريبًا أن تحتل الصور الطبيعية مكانًا مهمًا في شعر درويش؛ فالدراسات التي تناولت الرمز في تجربته تشير إلى تعدد الرموز عنده وإلى قدرتها على الانتقال من المعنى المباشر إلى الإيحاء والتأويل. كما أن دراسات الرموز المحورية في شعره تكشف أن الرمز لديه لا يعمل منفصلًا عن سياقه... بل يتشكل مع التجربة الشعرية ويكتسب دلالته منها. النجمة... المسافة التي يمكن رؤيتها في قصيدة «هو، لا غيره» تظهر النجمة منذ السطر الأول تقريبًا بوصفها فضاءً للترحال: شخصية القصيدة «تترجل عن نجمة»... ثم يأتي حديث عن «نجمة غير مرئية»... وعن ذكريات «نجمة بعدت». واللافت هنا أن النجمة لا تبقى جسمًا سماويًا. إنها تتحول إلى مكان شعري. وهذه النقلة هي جوهر الصورة عند درويش: فالنجمة ليست فقط شيئًا في السماء...وإنما يمكن أن تكون موضعًا يذهب إليه الحالم، أو مسافةً يُقاس بها البعد... أو ذاكرةً تبتعد كلما حاول الإنسان الإمساك بها. إنها مكان... لكنها مكان لا يمكن الوصول إليه بالقدم. يمكن الوصول إليه بالخيال. حين تصبح النجمة مرئية للغريب وفي «غريبان» تأخذ الصورة منحى آخر؛ فالغريب ينظر إلى أعلى، فيرى نجمة، ثم تأتي الصورة اللافتة التي تجعل النجمة هي الأخرى تنظر إليه. هنا يحدث انقلاب جميل في العلاقة بين الإنسان والسماء. لم يعد الإنسان وحده هو الذي ينظر. النجمة تنظر إليه أيضًا. وهذا التبادل البصري يحوّل النجمة من شيء بعيد إلى طرف في علاقة. الغريب الذي فقد المكان يجد في السماء كائنًا يبادله النظر، وكأن العالم... ولو للحظة، يعترف بوجوده. ومن هنا يمكن أن تصبح النجمة صورة للغريب نفسه: موجود، لكنه بعيد؛ مرئي، لكنه لا يُمسك؛ حاضر في العين، غائب عن اليد. من السماء إلى الوطن لا يمكن فصل صور السماء في شعر درويش عن تجربته مع المنفى والوطن. فدرويش لم يكن يكتب عن وطن بوصفه قطعة أرض فقط... بل عن علاقة معقدة بين الإنسان والمكان والذاكرة والهوية. ولهذا فإن النجمة حين تظهر في سياق الرحيل أو العودة يمكن أن تُقرأ بوصفها علامةً على الطريق، لكن ليس بالمعنى الجغرافي البسيط. إنها طريق الذاكرة. فالمنفي قد يفقد عنوان بيته... لكنه لا يفقد السماء التي كانت فوقه. وقد تتغير المدن، وتتبدل الحدود... وتغلق المنافي أبوابها... لكن النجمة تظل معلقة في المكان الذي لا تستطيع الخرائط احتلاله. النجمة والحب ثم تأتي القراءة الأكثر حميمية. الحب عند درويش كثيرًا ما يعيش في منطقة بين الحضور والغياب... ولذلك تليق به النجمة. المحبوب يشبه النجمة في شيء أساسي: يمكن أن تراه...دون أن تستطيع امتلاكه. قد يكون قريبًا من العين وبعيدًا عن اليد. وقد يصبح البعد نفسه جزءًا من جماله. لهذا لا تبدو النجمة في هذا السياق مجرد رمز رومانسي؛ إنها صورة للعلاقة الإنسانية حين تصبح المسافة جزءًا من تكوينها. ولعل هذا ما يجعل النجمة قادرة على الانتقال بسهولة من قصيدة الوطن إلى قصيدة الحب: لأن درويش كثيرًا ما جعل الحب والوطن والغياب يتداخل بعضها في بعض، حتى يصعب أحيانًا تحديد أين ينتهي الحبيب ويبدأ المكان. الضوء لا يلغي العتمة لكن أجمل ما يمكن أن نلاحظه في صورة النجمة أن ضوءها لا يلغي الظلام. فالنجمة لا تحتاج إلى أن تجعل السماء نهارًا. يكفيها أن تكون هناك. وهنا تتحول الصورة إلى معنى شعري بالغ العمق: الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى خلاص كامل كي يتمسك بالأمل؛ أحيانًا تكفيه علامة صغيرة في مساحة هائلة من العتمة. ولهذا يمكن أن تكون النجمة عند درويش صورة للحلم. والحلم، في عالمه، ليس رفاهية. إنه وسيلة للبقاء. في «هو، لا غيره» يرتبط الحلم بفكرة إرشاد الحالمين، وتصبح النجمة جزءًا من هذا الفضاء الذي يتقاطع فيه المستحيل مع الرغبة في مواصلة الطريق. النجمة ليست رمزًا واحدًا وهنا يجب الحذر من القراءة الجاهزة. ليس من الدقة أن نقول إن «النجمة عند محمود درويش تعني الوطن» فقط، أو أنها تعني الحب، أو الأمل، أو المنفى وحده. قيمة الرمز الدرويشي تكمن تحديدًا في قابليته للتحول. وقد خلصت دراسات نقدية متعددة إلى أن الرمز في شعر درويش يؤدي وظائف متعددة، وأنه يثري المعنى وينقل القصيدة من التصريح إلى الإيحاء، وهو ما يجعل السياق عنصرًا أساسيًا في فهم كل صورة. فالنجمة قد تكون وطنًا في قصيدة...وحلمًا في أخرى...وحبيبةً في ثالثة...ومرآةً للغريب في رابعة. والذي يبقى ثابتًا ليس معناها... بل قدرتها على فتح المسافة بين المرئي والمخفي. ولماذا النجمة؟ ربما لأن الإنسان، منذ بدأ يرفع رأسه إلى السماء، عرف أن هناك أشياء أكبر من يده. النجمة تذكرنا بحدودنا. لكنها، في الوقت نفسه، تمنحنا سببًا للنظر إلى الأعلى. وهذه المفارقة هي التي تجعلها صورة شعرية لا تنتهي: هي بعيدة، ولذلك نحلم بها. وهي مضيئة، ولذلك نراها. وهي لا تصل إلينا، ولذلك نكتب عنها. محمود درويش لم يكن بحاجة إلى أن يجعل النجمة قريبة. لقد جعل البعد نفسه لغةً شعرية. ومن هنا ربما نفهم سر حضورها في عالمه: فالنجمة ليست فقط الضوء الذي نراه في السماء، بل الشيء الذي يظل بيننا وبينه قدرٌ من المسافة، تلك المسافة التي تصنع الحنين، وتخلق القصيدة. ولعل الشاعر... في النهاية... يشبه النجمة أكثر مما نظن. كلاهما بعيد. كلاهما مضيء. وكلاهما يترك أثره في عابرٍ يرفع رأسه للحظة... ثم يواصل الطريق.  
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!