رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
مقالات

على حدِّ السكين ___1

نجمة عمر
وقت القراءة: 1 دقيقة
          قالوا إن الشوق كلمة... وكأن الحروف قادرة على احتواء ارتجاف القلب حين يضيق به البعد... وقالوا إن الكلمة تفي بالغرض... وكأن اللغة خُلقت لتكون بديلًا عن الإحساس لا خيانته... لكننا نعرف... في عمقنا الذي لا نبوح به... أن الشوق لا يُقال... بل يُحَسّ... يُعاش كنبضٍ خفي يتسلل في الصمت... وكوجعٍ لا يجد طريقه إلى الصوت. ظننا أن الشعراء يكتبون الشوق لأنهم يشتاقون...وأنهم حين يسكبون كلماتهم إنما يفرغون ما أثقل قلوبهم. لكنهم... وهم يفعلون ذلك... كبلونا في مدنٍ من الأشواق...وتركوا أرواحنا معلقة بين سطورهم... ثم رحلوا يعانقون أنفاس الصباح...خفافًا كأنهم لم يورثونا هذا الثقل. كتبوا، ومضوا، وبقينا نحن نحمل ما تركوه من حنينٍ لا يهدأ. لقد كذب الشعراء... حتى وإن اشتاقوا... كذبوا حين أوهمونا أن الشوق يُكتب... وأنه يُحتمل فوق الورق... وأن الكلمات قادرة على احتواء ذلك الفيضان الذي لا يُرى. فما الشوق الذي لا يبلل العين؟ وما الحنين الذي لا يُثقل الصدر حتى الاختناق؟ يا أيها الشاعر... لم ألمس دمعتك يومًا وأنت تكتب عن الشوق... لم أرَ انكسارك بين الكلمات... ولا ارتعاش أصابعك وهي تخونك... لكنني رأيت دموعي أنا تنزل حين قرأتك... وشعرت بالشوق يسيل من عينيّ لا من حروفك... وكأن الحقيقة لم تكن فيما كتبت...بل فيما أيقظته في داخلي... في تلك المسافة الخفية بين الكلمة والإحساس... حيث يولد الشوق الحقيقي… على حدِّ السكين. على حدِّ السكين. والصوت مذبوحٌ يشتاق. على حدِّ السكين بُحتُ بأشواقي... فكتبتُ قصيدةً سكبتُ فيها الحبر من المآقي... لا من القلم. كان النزف أصدق من اللغة... وكانت الكلمات مجرد أثرٍ لما لا يُحتمل قوله. لم أكتبك… وإنما كتبتني وأنا أتداعى بيني وبينك... كأن الشوق حين يفيض لا يجد غير الجرح طريقًا. أتراني الذبيحة وأنت السكين؟ أم أنني السكين حين أقترب منك... فأمزقني بك، وأستبيح قلبي باسم الحنين؟ أيُّنا يجرح الآخر؟ وأيُّنا يُكمل الطقس الأخير لهذا العشق الذي لا يموت إلا ليولد أكثر ألمًا؟ لم يعد الأمر حبًّا كما ظنناه... بل طقسًا من وجعٍ متكرر... نمارسه كلما حاولنا النجاة... فنغرق أكثر. أنا التي حسبتُ أن البوح خلاص... فإذا به بداية النزف... وأنت الذي حسبتَ القرب نجاة... فإذا به حدٌّ آخر للسكين. نحن لا نلتقي… نحن نتقاطع عند الحافة. عند حد التواصل وخاتمة النصوص. عند تلك اللحظة التي لا نعود فيها قادرين على الرجوع. ولا نملك شجاعة السقوط. وهكذا… نظل معلقين بين ذبيحةٍ لا تموت. وسكينٍ لا يُغمد. نكتب...وننزف. كأن القصائد ليست إلا آثارنا. على حدِّ السكين. على حدِّ السكين. والعمر يركض... ولا نبحث عن نهاية الطريق. أحبك. هكذا خرجت مني... لا ككلمةٍ تُقال، بل كجرحٍ انفتح دون استئذان... كاعترافٍ لم أُحسن إخفاءه... ففضحني أمامي أولًا. لم تكن “أحبك” وعدًا... ولا نجاة، كانت سقوطًا كاملًا فيك... كأنني أترك قلبي على حافة السكين وأنتظر. أحبك. وأنا أعرف أن الحب هنا ليس طريقًا معبدًا بالطمأنينة. هو حافةٌ حادة... نمشي عليها ونحن نبتسم... كأننا لا نشعر بما ينزف تحت أقدامنا. أحبك... لا لأنك آمن... وإنما لأنك الخطر الوحيد الذي قبلته بكامل إرادتي. أتراني حين قلتها كنت أستسلم؟ أم كنت أبدأ معركةً أخيرة بيني وبين قلبي؟ أيُّ حبٍّ هذا الذي يجعلنا نُسلِّم أعناقنا للسكين... ونُسمي ذلك شغفًا؟ أحبك. لكنني لا أطلب منك النجاة. ولا أعدك بالبقاء. كل ما في الأمر أنني... حين وصلتُ إلى هذا الحد، لم أجد كلمةً تُشبهني أكثر منها. فإن كنتَ السكين. فأنا الذبيحة التي نطقت أخيرًا. وإن كنتُ أنا السكين. فأنت الجرح الذي اخترته. وهكذا. لا نُبرئ الحب، ولا نُدينُه. نكتبه فقط كما هو. نازفًا، صادقًا. على حدِّ السكين.  
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!