منوعات
موكب البيه البواب .. العمارة تستعد والبواب يتفقد
مازالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فإجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية و جدية تأتى كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها.
في يوم من الأيام استيقظت العمارة على خبر مهم جدا البيه البواب جاي ومن هنا بدأت حالة الطوارئ موعد الزيارة تحدد والتشريفة جهزت وجميع السكان أصبحوا في حالة استعداد وكأن العمارة تستقبل شخصية مهمة من أصحاب المقامات الرفيعة وقف السكان أمام العمارة في انتظار الموكب وكل واحد يحاول أن يظهر في أحسن صورة فالضيف هذه المرة ليس مجرد بواب يبحث عن عمل ولكنه بيه بواب له هيبة وشروط والتزامات كثيرة.
وبعد انتظار طويل ظهر الموكب اتنين توكتوك وموتوسيكل وعجلتين مشهد يجعل أي عمارة تحترم نفسها تفكر في رفع العلم على سطحها وفجأة نزل البيه البواب جلباب ضخم مكوي بعناية وتلفيحة مكوية وجزمة بتلمع وكأنها وصلت قبل صاحبها إلى موعد الزيارة.
وبصوت عال قال فين السكان فرد الجميع الكل منتظرينك يا بيه وبدأت مراسم الاستقبال ولم يكن الاستقبال كافيا للبيه البواب فقد بدأ فورا في تفقد العمارة دور دور وشقة شقة ونظرة على السكان ونظرة على الشبابيك ونظرة على المناور وكأنه لا يبحث عن وظيفة ولكنه يقوم بمعاينة منشأة قبل استلامها.
وفجأة وبصوت أعلى قال فين سكني وهنا بدأ الجميع يهرول حوله واحد يفتح الباب وواحد يشاور وواحد يقول من هنا يا بيه وواحد يحاول أن يشرح له تفاصيل المكان والبيه يمشي في وسط الموكب بهدوء وثقة وكأننا في جولة تفقدية رسمية.
دخل السكن وبدأت الأسئلة المهمة فين التكييف فين الغسالة فين الثلاجة فين البوتاجاز فين السرير فين التليفزيون فين المكواة ثم طلب رؤية الحمام وتفحصه بعناية وبدأت التعليقات الحاجة دي مش موجودة والتشطيب هنا مش عاجبني والحوض محتاج يتغير والسيراميك مش على المستوى والسكان واقفون يستمعون بكل اهتمام والواحد منهم بدأ يسأل نفسه في هدوء هو إحنا جايبين بواب ولا جايبين لجنة استلام شقة.
وبعد انتهاء جولة التفقد طلب البيه البواب مقابلة السكان بالكامل وبسرعة عشان عنده التزامات واجتمع الجميع وبدأت المرحلة الأهم مرحلة توزيع الأدوار والمهام مين اللي حيكنس ومين اللي حيزعف ومين اللي حيمسح ومين اللي حيعمل المناور ومين اللي حينظف الحوائط ومين اللي حيكنس أمام العمارة ومين اللي حيتابع النظافة وكل مهمة أصبح لها صاحب وكل صاحب أصبح له دور وكل شيء تم توزيعه بعدل وشفافية حتى شعر السكان أن العدالة أخيرا وجدت لها مكانا في العمارة
ثم قال لهم البيه البواب بكل ثقة أنا حعدي عليكم آخر الأسبوع وأشوف مستوى النظافة ولو عجبني الوضع أبقى أجي وهنا بدأ السؤال الطبيعي طيب يا بيه والراتب فقال رقما كبيرا جعل أحد السكان ينظر إلى زميله في صمت وكأنه يسأله إحنا بنعين بواب ولا بنتقدم لوظيفة عنده وقبل أن يغادر البيه البواب تذكر شيئا مهما فقال مين اللي هيساعدني في الإشراف لأن عندي التزامات كثيرة بره ومش هقدر أتفرغ فتم اختيار أحد السكان ليقوم بالمهمة وهكذا أصبح لدينا بواب مشغول وسكان يعملون ومشرف يتابع والعمارة في انتظار الزيارة القادمة.
وفي النهاية سعدنا بلقاء البيه البواب وبانضمامه إلى العمارة وقررنا جميعا أن ننظف ونغسل ونكنس ونمسح ونرتب العمارة عشان البيه البواب الجديد مايزعلش فحضر الجميع مهرولين واحد ماسك المقشة وواحد ماسك المساحة وواحد بيغسل وواحد بينظف الحوائط وواحد يشرف على الجميع وواحد يشرف على المشرف وفي وسط هذا المشهد وقف البيه البواب يتابع في هدوء والعمارة كلها تعمل والسكان كلهم يشتغلون والبيه عنده التزامات كثيرة.
وهنا اكتشفنا المفارقة الجميلة إحنا لم نأت بالبواب لكي يخدم العمارة بل جاءت العمارة كلها لكي تخدم البواب لم يعد السؤال كيف نحافظ على العمارة ولكن أصبح السؤال كيف نحافظ على رضا البيه ولم تعد الوظيفة هي خدمة السكان ولكن أصبح السكان هم فريق العمل والبواب هو صاحب التعليمات.
والحكاية في ظاهرها عن بواب وعمارة لكنها في الحقيقة حكاية أكبر من ذلك بكثير حكاية تبدأ عندما ننسى أن صاحب الدور موجود لخدمة المكان وليس المكان موجودا لخدمة صاحب الدور وحين تصبح الشروط كثيرة والمهام أكثر والالتزامات لا تنتهي يبقى السؤال البسيط الذي يجب ألا ننساه أبدا.
مين اللي جاي يخدم العمارة.. ومين اللي العمارة كلها بقت تخدمه.
تحياتى ومن عندياتى..
*قرمشة:
- حين يصبح البواب بيه تصبح العمارة كلها
في خدمته.
- إذا حضر البواب غاب السؤال عن صاحب الخدمة.
- من يطلب العمل لا يملك وحده شروطه.
- حين تتسع التشريفة تضيق مساحة العمل.
- ليس كل من تفقد العمارة عرف كيف يخدمها.
إلى اللقاء..
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!