انطلاق “IGF 2025”.. العالم يبحث عن “إنترنت موحد” تحت مقصلة الاستقطاب الجيوسياسي وحروب السيادة الرقمية

اسلام نور – ESLAM NOUR
هنا، من قلب مدينة ليلستروم النرويجية، وتحت سماء مثقلة بغيوم التوترات العالمية، لم تكن متابعتي لافتتاح الدورة العشرين لمنتدى حوكمة الإنترنت (IGF 2025) مجرد تغطية صحفية لحدث أممي معتاد.
منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماي أروقة مركز "NOVA Spektrum"، أدركت أننا لسنا بصدد مؤتمر تقني نناقش فيه سرعات الإنترنت أو تقنيات الجيل السادس، بل نحن شهود عيان على تشريح دقيق، وربما إعلان وفاة، لما كنا نطلق عليه يوماً "الإنترنت العالمي الموحد".
بينما كنت أراقب توافد الوفود الحكومية، وممثلي عمالقة التكنولوجيا (Big Tech)، ونشطاء المجتمع المدني، كان الاستقطاب الجيوسياسي يفرض نفسه كضيف ثقيل لا يمكن تجاهله. إنني لا أقرأ هذا المشهد بعين الصحفي الاستقصائي فحسب، بل أحلله من زاوية المشتغل بالقانون والتشريع؛ فما يحاك في هذه القاعات المغلقة والمفتوحة ليس سوى مسودات أولية لقوانين عقابية وتشريعات مدنية ستطال كل فرد فينا. وحتى ملفات الهجرة واللجوء وحرية التنقل، التي تشكل عصباً رئيسياً في ممارستنا القانونية اليومية، وُضعت اليوم على مشرحة "الحدود الرقمية" والخوارزميات.
انهيار أسطورة الفضاء المفتوح وولادة "السيادة السيبرانية"
في الجلسة الافتتاحية، وبينما كانت الكلمات الرسمية تتوالى، كان ما يقرأ بين السطور أشد خطورة مما يُقال عبر الميكروفونات، لقد جئنا إلى هنا لمناقشة تفعيل "الميثاق الرقمي العالمي" التابع للأمم المتحدة، لكن الواقع الذي رصدته عن قرب يؤكد أن العالم ينزلق بسرعة مخيفة نحو ما يُعرف بـ "البلقنة الرقمية" (Splinternet).
لقد تابعت عن كثب الصدام الفلسفي والسياسي الحاد بين ثلاث كتل رئيسية، وهو صدام ينسف فكرة القانون الدولي العام من جذورها:
أولاً، الكتلة الغربية التي تحاول يائسة التمسك بنموذج إنترنت تحكمه آليات السوق وحرية تدفق البيانات، مستندة إلى إرثها في قوانين حماية الخصوصية والتشريعات المدنية.
ثانياً، كتلة شرقية متنامية، تتبنى وتطبق بصرامة عقيدة "السيادة السيبرانية" (Cyber Sovereignty)؛ هذه العقيدة لا تعترف بإنترنت عابر للحدود، بل تعتبر أن لكل دولة الحق السيادي المطلق في تطبيق قوانينها، ومراقبة مواطنيها، وبناء جدران حماية فولاذية (Firewalls) تقطع أوصال الشبكة، مما يشرعن "القومية الرقمية" في أبشع صورها.
وثالثاً، دول الجنوب العالمي، التي تقف موقف المتفرج المتضرر، مطالبة بآليات تحميها من استعمار رقمي جديد تقوده شركات التكنولوجيا الكبرى التي تحتكر البنية التحتية وكابلات المحيطات.
المأزق الجنائي: حينما تقف العدالة عاجزة أمام "الحدود اللامرئية"
من خلال تتبعي للمسار القانوني في أروقة المنتدى، تكشفت لي أزمة طاحنة تعصف بأروقة العدالة الجنائية العالمية. لقد استمعت لشهادات خبراء أمنيين وقانونيين تؤكد أن منظومتنا العقابية الحالية تعيش حالة من "الشلل الإجرائي". الجريمة المنظمة لم تعد تعترف بـ "مبدأ الإقليمية" الذي درسناه ومارسناه في أروقة المحاكم.
كيف يمكن لنا، كقانونيين، تكييف جريمة اختراق وتشفير لمستشفى أو بنك وطني (Ransomware)، عندما نعلم أن الفاعل يقطن في قارة، ويستخدم خوادم وسيطة (Proxies) في قارة ثانية، ويطلب الفدية بعملات مشفرة لا تخضع لبنك مركزي؟
في ظل تعنت الدول في تفعيل بروتوكولات المساعدة القانونية المتبادلة (MLAT)، ورفض تسليم المجرمين بحجة حماية الأمن القومي أو غياب الاتفاقيات الثنائية، يتحول الفضاء الرقمي إلى ملاذ آمن للمافيا السيبرانية.
لقد بدا واضحاً في نقاشات اليوم الأول أن اتفاقية بودابست للجرائم المعلوماتية قد شاخت، وأننا بحاجة ماسة إلى فقه جنائي جديد يمنح القضاء "اختصاصاً عالمياً" لملاحقة الإرهاب السيبراني، ويضع قواعد صارمة لحجية "الأدلة الرقمية" العابرة للحدود قبل أن تنهار ثقة المواطن في قدرة القانون على حمايته.

الزلزال المدني: من يعوض الضحايا في عصر "الصندوق الأسود"؟
لم يتوقف الرصد عند حدود القانون الجنائي، بل امتد ليزلزل ثوابت القانون المدني. لقد حظي ملف "الذكاء الاصطناعي التوليدي" بنصيب الأسد من النقاشات الجانبية والرئيسية. السؤال الذي طُرح بقوة وبحثنا له عن إجابة وسط الخبراء: من يتحمل المسؤولية المدنية والتقصيرية عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟
عندما تتخذ خوارزمية قراراً خاطئاً يمس حقاً من حقوق الإنسان، أو ينهي حياة مريض، أو يدمر سمعة شركة، كيف نطبق قاعدة "الخطأ والضرر وعلاقة السببية"؟ إننا نقف أمام أنظمة تعلم عميق (Deep Learning) تعمل كـ "صناديق سوداء"، حتى مبرمجوها يعجزون عن تفسير كيفية وصولها لقرار معين. لقد تابعت الصراع الشرس بين ممثلي شركات التكنولوجيا الذين يتهربون من المسؤولية بحجة حماية الابتكار، وبين الحقوقيين والمشرعين الذين يطالبون بفرض تشريعات تستند إلى "المسؤولية الموضوعية" (Strict Liability)؛ أي إجبار هذه الكيانات الضخمة على دفع التعويضات وتأسيس صناديق تأمين إجبارية متى ما وقع الضرر، دون إرهاق المدعي المستضعف بعبء إثبات خطأ الآلة أو المبرمج. إنها معركة العقود القادمة في ساحات القضاء المدني بامتياز.
الهجرة واللجوء تحت مقصلة الخوارزميات
ولأنني أعيش يوميات المتقاضين الباحثين عن حق التنقل أو اللجوء، فقد استوقفتني بشدة النقاشات المتعلقة بـ "الهوية الرقمية" والحدود البيومترية، لقد تحول مسار الهجرة من مجرد أوراق ومقابلات قنصلية، إلى فحص خوارزمي دقيق لكل حركة وسكنة لطالب التأشيرة في الفضاء الرقمي.
تم طرح قضايا مفزعة حول تحكم أنظمة الذكاء الاصطناعي في فرز طلبات اللجوء وتقييم "الخطر الأمني" للمهاجرين بناءً على تحليل مشاعرهم (Sentiment Analysis) على منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول يخلق حدوداً رقمية غير مرئية تفوق في قسوتها الأسلاك الشائكة.
ماذا يفعل اللاجئ الذي فقد هويته المادية وتُرفض طلباته بسبب خطأ في كود برمجي لا يملك حق الطعن عليه؟ وكيف نحمي المهاجرين من خطر "انعدام الجنسية الرقمية"؟ لقد طالبت عبر نقاشاتي مع المشاركين بضرورة حتمية فرض التدخل البشري والرقابة القضائية الإدارية الصارمة على أي قرار يمس حق الإنسان في التنقل أو اللجوء، وعدم ترك مصائر البشر معلقة بأوامر برمجية صماء.
خلاصة اليوم الأول: صرخة تحذير قبل العاصفة
في ختام تغطيتي لليوم الأول من هذا المحفل الدولي المعقد، أستطيع القول بيقين إن قمة "IGF 2025" ليست مجرد منصة لتبادل الأفكار، بل هي ساحة حرب باردة من نوع جديد. التوصيات التي تُكتب هنا، رغم تصنيفها كـ "قانون مرن" (Soft Law) غير ملزم، إلا أنها تمهد الطريق لمعركة تكسير عظام كبرى في نيويورك خلال قمة المراجعة (WSIS+20) العام المقبل.
إن رسالتي كصحفي من قلب ليلستروم واضحة: إذا لم تتحرك برلماناتنا ومؤسساتنا التشريعية ونقاباتنا القانونية سريعاً لفهم وتأطير هذه التحولات، وإذا استمر الاعتماد على سياسة رد الفعل واستنساخ القوانين الغربية، فسنجد أنفسنا مجرد رعايا بلا حقوق في إمبراطوريات رقمية لا ترحم. الفضاء الرقمي لم يعد افتراضياً؛ إنه يحدد من نكون، وماذا نملك، وإلى أين نذهب.