سياسة

مشرعو العالم في مأزق “الاختصاص القضائي”.. كيف تحولت الجريمة السيبرانية إلى كابوس يطارد أروقة المحاكم الجنائية؟

عيون المجلس
وقت القراءة: 1 دقيقة

اسلام نور – ESLAM NOUR

في صباح اليوم الثاني لمنتدى حوكمة الإنترنت (IGF 2025)، وتحديداً يوم الرابع والعشرين من يونيو، تبدلت الأجواء تماماً داخل أروقة مركز "NOVA Spektrum" في مدينة ليلستروم النرويجية. لقد انتهت حفلات الاستقبال والكلمات الدبلوماسية المنمقة لليوم الأول.

وبدأت المعركة الحقيقية. بصفتي صحفياً يتابع هذه التحولات المعقدة عن كثب، تركت القاعة الرئيسية واتجهت نحو القاعات المغلقة ونصف المفتوحة التي تستضيف "المسار البرلماني" (Parliamentary Track) المنعقد بالتعاون مع الاتحاد البرلماني الدولي (IPU).

هنا، المشهد مختلف كلياً، لم أجد دبلوماسيين يتبادلون الابتسامات، بل وجدت مئات المشرعين وأعضاء اللجان التشريعية من مختلف قارات العالم يجلسون بوجوه متجهمة، يحاولون تفكيك طلاسم أخطر أزمة تواجه مفهوم "الدولة" في العصر الحديث: الفراغ التشريعي وتآكل الاختصاص القضائي أمام غول الجريمة السيبرانية.

من خلال متابعتي المباشرة لجلسات اليوم الثاني، أستطيع أن أنقل لكم صورة حية لكابوس حقيقي يطارد الأنظمة الجنائية العالمية، كابوس يجعل من نصوص القوانين الحالية مجرد حبر على ورق أمام عصابات لا تعترف بالحدود.

سقوط الجغرافيا: حينما يعجز النص عن ملاحقة الجاني

طوال ساعات المتابعة، كانت الكلمة الأكثر تكراراً على ألسنة البرلمانيين والخبراء هي "الاختصاص القضائي" (Jurisdiction). لقد بُنيت النظم العقابية في العالم كله على "مبدأ الإقليمية"، أي أن سيادة الدولة وقوانينها تُطبق على الجرائم التي تقع داخل حدودها الجغرافية. لكن ما رصدته في نقاشات اليوم ينسف هذا المبدأ من الأساس.

استمعت إلى عرض تفصيلي ومخيف لإحدى حالات هجمات "برامج الفدية" (Ransomware) التي استهدفت بنية تحتية حيوية في دولة نامية، الجريمة وقعت تقنياً في تلك الدولة (الضحية)، لكن الفاعل الحقيقي يقبع في دولة بأوروبا الشرقية، واستخدم خوادم وسيطة (Proxies) مشفرة متواجدة في قارة آسيا، وطالب بتحويل الفدية عبر محافظ عملات مشفرة لا مركزية (DeFi).

أمام هذه الخريطة المعقدة، تساءل المشرعون بإحباط: من يملك حق فتح التحقيق؟ وأي شرطة تمتلك سلطة الضبط والتفتيش؟ وفي غياب معاهدات تسليم مجرمين فاعلة، كيف يمكن جلب الجاني للمحاكمة؟ الإجابة التي خيمت على القاعة كانت صمتاً ثقيلاً؛ فالقانون الجنائي بصيغته الحالية يقف مشلولاً ومكتوف الأيدي.

استخبارات الظل وعسكرة الجريمة الإلكترونية

الزاوية الأكثر خطورة التي استوقفتني بشدة في نقاشات الكواليس، والتي نادراً ما يتم تناولها بوضوح في البيانات الرسمية، هي التداخل المرعب بين "الجريمة المنظمة" و"العمل الاستخباراتي". لقد بات واضحاً أن العديد من عصابات القرصنة الكبرى (المعروفة بـ APTs أو التهديدات المتقدمة المستمرة) لا تعمل في فراغ، بل تحظى بغطاء، وربما تمويل وتوجيه، من أجهزة استخبارات تابعة لدول عظمى.

في إحدى الموائد المستديرة التي تابعتها، تم طرح تساؤلات شائكة حول الميزانيات الفلكية التي تُرصد للوحدات السيبرانية داخل بعض وكالات الاستخبارات العالمية البارزة، وكيف يتم استخدام هذه القدرات لشن هجمات تبدو في ظاهرها "جرائم مالية"، لكنها في باطنها "تخريب جيوسياسي" متعمد لتدمير اقتصادات دول منافسة.

المأزق هنا مضاعف؛ فكيف لبرلمان محلي أن يشرع قانوناً لمكافحة عصابة قرصنة، إذا كانت هذه العصابة تعمل كذراع غير رسمي لجهاز مخابرات دولة أخرى تمتلك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن؟ هذا التداخل يجعل من عملية التكييف الجنائي للجريمة أمراً شبه مستحيل، ويحول القضية من أروقة المحاكم إلى أضابير الصراعات الجيوسياسية.

موت "الاستنابة القضائية" وأزمة الأدلة الرقمية

انتقلت لاحقاً لمتابعة جلسة تشريعية فنية معقدة تناولت "الأدلة الإلكترونية" (E-Evidence). في عالم الصحافة الاستقصائية، نعلم جيداً أن الدليل هو سيد الموقف، وكذلك في أروقة المحاكم. المشكلة التي صرخ منها المشرعون اليوم هي أن البروتوكولات الدولية الحالية للمساعدة القانونية المتبادلة (MLATs) باتت في حكم الميت إكلينيكياً.

عندما يطلب محقق جنائي بيانات خادم (Server) موجود في دولة أخرى لدولة تمتلك مقر شركة التكنولوجيا الكبرى، تستغرق المراسلات الدبلوماسية والترجمات والموافقات شهوراً طويلة، وأحياناً سنوات.

وفي الفضاء الرقمي، "البيانات التي لا تُحفظ فوراً، تتبخر". بحلول الوقت الذي يصل فيه الرد الرسمي، يكون الجاني قد محا آثاره الرقمية، ودمر الخوادم، وانتقل إلى هوية جديدة، البرلمانيون دعوا بشراسة إلى ضرورة إقرار "بروتوكول أممي سريع" يتجاوز البيروقراطية الدبلوماسية، ويسمح بتبادل الأدلة الرقمية بين الأجهزة المختصة في غضون ساعات، مع وضع ضمانات صارمة لعدم المساس بالخصوصية.

حرية الصحافة على مقصلة قوانين "مكافحة التضليل"

كانت الجلسة المسائية لليوم الثاني هي الأشد قسوة ولامست وتراً حساساً لدي، المحور كان "التشريعات الجنائية لمكافحة التضليل والتزييف العميق (Deepfakes) لحماية الديمقراطية". هنا، شاهدت التناقض الصارخ بين الرغبة في حماية المجتمع وبين خطر التأسيس لديكتاتورية رقمية.

المشرعون يواجهون ضغوطاً هائلة لسن قوانين تجرم إنشاء ونشر المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي الذي يستهدف تزوير الانتخابات أو تدمير السمعة.

لكن، أين الخط الفاصل؟ لقد حذرتُ خلال نقاشات جانبية مع بعض المشاركين من أن صياغة قوانين فضفاضة تحت مسمى "مكافحة الأخبار الكاذبة" أو "حماية الأمن القومي السيبراني"، ستكون بمثابة رصاصة رحمة في صدر الصحافة المستقلة. الأنظمة السلطوية تتربص بهذه التشريعات لتستنسخها وتستخدمها كغطاء قانوني لشرعنة حجب المواقع، ومراقبة الصحفيين، وتجريم أي محتوى معارض بحجة أنه "مضلل".

المعركة التي شهدتها اليوم لم تكن حول التقنية، بل كانت حول من يمتلك سلطة تعريف "الحقيقة" وتجريم ما يخالفها.

خلاصة اليوم الثاني: البرلمانات تغرد خارج السرب

مع نهاية هذا اليوم الطويل والمرهق في ليلستروم، خرجت بنتيجة واضحة ومقلقة سأنقلها لقرائنا في "عين المجلس": البرلمانات الوطنية حول العالم معزولة وتغرد خارج السرب التكنولوجي. التشريعات المحلية مهما بلغت صرامتها، تشبه محاولة إيقاف طوفان بمظلة.

الجريمة السيبرانية تمددت وتوحشت واستفادت من تقنيات الذكاء الاصطناعي والتشفير واستخبارات الدول لتخلق إمبراطورية فوق قانونية. وما لم يشهد العالم تنازلات سيادية موجعة، وتوافقاً على محكمة جنائية دولية مختصة بالجرائم السيبرانية.

وتوحيداً لمفاهيم التجريم والعقاب، فإن المشرعين سيستمرون في مطاردة أشباح رقمية، وستبقى قاعات المحاكم الجنائية عاجزة عن تقديم أي إجابات أو إنصاف للضحايا. غداً يوم جديد في هذه القمة، والأنظار تتجه نحو ملف آخر لا يقل تعقيداً.

0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!