من يتحمل فاتورة الخوارزميات؟ “IGF 2025

اسلام نور – ESLAM NOUR
في صباح اليوم الثالث من منتدى حوكمة الإنترنت (IGF 2025) المنعقد في مدينة ليلستروم النرويجية، كان من الواضح تماماً لي ولجميع الزملاء الصحفيين المتواجدين في المركز الإعلامي أن بوصلة الحدث قد انحرفت بشدة. لقد تركنا وراءنا أحاديث السياسة والجغرافيا وحروب الفضاء السيبراني التي سيطرت على اليومين الأول والثاني، لندخل في نفق أعمق وأكثر تعقيداً، نفق يمس تفاصيل حياتنا اليومية، ومحافظنا المالية، ومستقبل وظائفنا، وحتى أرواحنا.
لقد كان يوم الخامس والعشرين من يونيو مخصصاً بالكامل للوحش الذي أطلقته شركات التكنولوجيا من عقاله: "الذكاء الاصطناعي التوليدي".
ولكن النقاش هنا لم يكن للاحتفاء بقدرة الآلة على كتابة الشعر أو رسم اللوحات، بل كان نقاشاً عاصفاً ومخيفاً حول سؤال واحد سيطر على كل الجلسات، والموائد المستديرة، وحتى الحوارات الجانبية في أروقة المنتدى: عندما تُدمر هذه الخوارزميات حياة إنسان، من سيدفع الفاتورة؟
معضلة "الصندوق الأسود".. آلات تتخذ قرارات لا يفهمها صانعوها
بدأتُ جولتي الصباحية بحضور الجلسة الرئيسية التي جمعت ممثلين عن كبرى شركات وادي السيليكون، وخبراء في التكنولوجيا، ومدافعين عن حقوق المستهلك. الجو كان مشحوناً، والسبب يكمن في طبيعة التقنية ذاتها. لقد استمعت لشروحات تقنية معقدة تؤكد حقيقة مرعبة: خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) التي تدير اليوم قطاعات حيوية، تعمل كـ "صناديق سوداء".
الآلة تتعلم، وتربط البيانات، وتتخذ القرار، لكن المبرمج البشري الذي كتب الكود الأساسي لا يستطيع تفسير الخطوات المنطقية التي قادت الآلة لهذا القرار تحديداً.
هنا انفجر النقاش. إذا قام نظام ذكاء اصطناعي طبي بتشخيص حالة مريض بشكل خاطئ مما أدى لوفاته، أو إذا قررت خوارزمية في بنك حرمان شخص من قرض عقاري بناءً على تحيز خفي للون بشرته أو منطقته السكنية، أو إذا انحرفت سيارة ذاتية القيادة ودهست مارة في الشارع.. إلى من نوجه أصابع الاتهام؟
الشركات التكنولوجية تدافع باستماتة وتقول: "نحن صنعنا الأداة، لكننا لا نتحكم في مخرجاتها اللحظية، تماماً كما لا تلوم صانع السكين إذا استُخدمت في جريمة". هذا التبرير أثار حفيظة ممثلي المجتمع المدني الذين رأيتهم يطرقون الطاولات غضباً، معتبرين أن هذا المنطق يعفي الشركات العملاقة من تحمل عواقب أرباحها المليارية، ويترك الضحايا في مواجهة آلة صماء لا تملك حساباً بنكياً لتعويضهم.
حرب جماعات الضغط (اللوبي) وابتزاز "قتل الابتكار"
انتقلت لاحقاً لمتابعة الجلسات الجانبية، حيث يدور الصراع الحقيقي خلف الكواليس. كصحفي يغطي هذه الأحداث، أستطيع أن أؤكد لك أن حجم ضغوط شركات التكنولوجيا (Lobbying) في قاعات IGF 2025 لم يسبق له مثيل. هناك جيش من المتحدثين الممثلين للشركات يحاولون ترويج سردية واحدة: إجبار مطوري الذكاء الاصطناعي على تحمل مسؤولية كل خطأ وكل تعويض مالي سيؤدي إلى "قتل الابتكار".
الشركات الغربية لوحت بورقة الاقتصاد صراحة؛ فقد استمعت لأحد المديرين التنفيذيين يقول بوضوح إن فرض غرامات مليارية وتكبيل الشركات بمسؤوليات تعويضية غير محدودة، سيدفع رؤوس الأموال للهروب، وسيؤدي إلى إفلاس الشركات الناشئة (Startups) التي تقود قاطرة الابتكار.
بل وذهبوا لأبعد من ذلك حين استخدموا "فزاعة" المنافسة العالمية، محذرين من أن التضييق عليهم سيمنح التفوق التكنولوجي لدول أخرى لا تلقي بالاً للتعويضات أو حقوق الأفراد.
في المقابل، كانت هناك أصوات مضادة قوية من مفكرين واقتصاديين أوروبيين ومن دول الجنوب، يصرون على أن الابتكار الذي يُبنى على جثث الضحايا أو إفلاس المبدعين أو تدمير الوظائف دون وجود شبكة حماية وتعويض، ليس ابتكاراً بل هو استغلال بشع.
سرقة العصر: المبدعون يطالبون بفواتيرهم
في فترة الظهيرة، تابعت واحدة من أكثر الجلسات إنسانية وسخونة، والتي خُصصت لضحايا "نهب البيانات". القاعة كانت تعج بممثلين عن نقابات الكتاب، والفنانين، والرسامين، وصناع المحتوى من جميع أنحاء العالم. هؤلاء لم يأتوا لمناقشة التكنولوجيا، بل جاؤوا يطالبون بحقوقهم المالية التي ابتلعتها حيتان الذكاء الاصطناعي.
لقد قامت الشركات الكبرى بجمع مليارات الصور، والمقالات، والكتب، واللوحات الفنية، والأصوات من شبكة الإنترنت دون إذن أصحابها، واستخدمتها لتدريب نماذجها التوليدية. واليوم، هذه النماذج تنتج أعمالاً تنافس هؤلاء المبدعين في أرزاقهم وتطردهم من سوق العمل.
الرسامون والكتاب في المنتدى طالبوا صراحة بتأسيس "صناديق تعويضات مليارية إجبارية" تُمول من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، لتعويض كل من تم استخدام نتاجه الفكري دون إذن لتغذية هذه الآلات. النقاش أخذ طابعاً أخلاقياً حاداً: هل يحق لآلة أن تصبح ثرية على حساب إفقار ملايين البشر الذين علموها كيف تفكر؟
قطاع التأمين يدخل المعركة: تسعير المجهول
لعل أبرز ما رصدته في نقاشات اليوم الثالث، هو الظهور القوي لممثلي كبريات شركات التأمين العالمية. ففي الوقت الذي تتنصل فيه شركات التقنية من تحمل فاتورة الأخطاء، برزت فكرة إنشاء قطاع جديد كلياً تحت مسمى "تأمين الذكاء الاصطناعي".
جلستُ أستمع لخبراء الاقتصاد وشركات التأمين وهم يتجادلون حول كيفية تسعير خطر لا يمكن توقعه. كيف تضع بوليصة تأمين لنظام توظيف آلي قد يتسبب في دعاوى تمييز جماعية تكلف الشركة مئات الملايين من الدولارات؟ وكيف تؤمن على محتوى إعلامي مولد آلياً قد ينشر معلومات كارثية تدمر سمعة مؤسسات كبرى وتؤدي لانهيار أسهم في البورصة؟
الاتجاه الذي تبلور أمامي في هذا اليوم الطويل هو أن العالم يتجه نحو إجبار أي جهة، سواء كانت شركة تقنية تطور نموذجاً أو مؤسسة تستخدمه، على استصدار بوليصة تأمين إلزامية مسبقة، شبيهة بالتأمين الإجباري على السيارات. الفكرة هي ضمان وجود جهة مالية قادرة على دفع التعويضات المليارية للضحايا، بدلاً من تركهم يدورون في دوامة إثبات من المخطئ: المبرمج أم الخوارزمية أم المستخدم؟
نهاية يوم شاق: الضحايا في انتظار العدالة
غادرت مركز "NOVA Spektrum" في ساعة متأخرة، والأسئلة تضج في رأسي. ما شهدته في اليوم الثالث لمنتدى IGF 2025 لم يكن ترفاً فكرياً. نحن نتحدث عن إعادة صياغة كاملة للعلاقة الاقتصادية والأخلاقية بين الإنسان والآلة. لقد بات واضحاً لي كصحفي يواكب هذا التطور، أن التكنولوجيا تتسابق بسرعة الضوء، بينما آليات المحاسبة والتعويض البشري تزحف كالسلحفاة.
الخلاصة التي خرجت بها من نقاشات اليوم هي أن عصر "الإعفاء من المساءلة" الذي تمتعت به شركات التقنية لسنوات طويلة يوشك على الانتهاء. المجتمع البشري بدأ يستيقظ على حجم الخسائر (سواء كانت وظائف مفقودة، أو أعمالاً مسروقة، أو قرارات ظالمة)، ولن يقبل بعد اليوم بوعود التطور التكنولوجي إذا لم تكن مصحوبة بشيكات تعويض جاهزة الدفع لمن يسحقهم هذا التطور في طريقه. التحدي القادم ليس في كيف نصنع ذكاءً اصطناعياً أفضل، بل في كيف نضمن ألا يتهرب صانعوه من دفع فاتورة أخطائه.
غداً سيفتح المنتدى ملفات أخرى، لكن صدى معركة "التعويضات المليارية" سيظل يتردد طويلاً بعد انتهاء هذه القمة.