اقتصاد

الحدود تتلاشى في الفضاء الإلكتروني: كيف تعيد الهويات الرقمية صياغة قوانين الهجرة وحقوق الإنسان العابرة للحدود؟

عيون المجلس
وقت القراءة: 1 دقيقة

اسلام نور – ESLAM NOUR

في صباح اليوم الرابع لمنتدى حوكمة الإنترنت، الموافق السادس والعشرين من يونيو، كانت سماء مدينة ليلستروم النرويجية ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة، لكن الأجواء داخل قاعات مركز "NOVA Spektrum" كانت أكثر ثقلاً واختناقاً.

لقد تغير مسار الحديث تماماً؛ لم نعد نناقش سرعات الكابلات البحرية أو أرباح شركات وادي السيليكون، بل انتقلنا لمناقشة مصائر البشر، هوياتهم، وحقهم الأساسي في الحركة على هذا الكوكب.

كصحفي يمضي جزءاً ليس بالقليل من عامه في التنقل المستمر بين العواصم لتغطية الفعاليات والقمم الدولية، من أروقة مؤتمرات المستقبل الحضري في ليوبليانا، إلى صالات منتديات الطاقة والمناخ في فيينا والرياض، لطالما وقفت في طوابير المطارات، وتدقيق الجوازات، وأختام التأشيرات كجزء روتيني، ومزعج أحياناً، من متطلبات المهنة.

كنت أعتقد دائماً أن "الحدود" هي تلك البوابات الزجاجية ومكاتب ضباط الجوازات. لكن ما سمعته وشاهدته في جلسات اليوم الرابع، جعلني أدرك بخوف حقيقي أن الحدود المادية التي نعرفها في طريقها للزوال، لتحل محلها "حدود رقمية لا مرئية"، أكثر قسوة، وأشد صرامة، ومستحيلة الاختراق.

قنصلية الخوارزميات: حينما يقرر الذكاء الاصطناعي مصير رحلتك

بدأت تغطيتي بحضور جلسة نقاشية موسعة ضمت نشطاء في حقوق الإنسان، وخبراء في تكنولوجيا تحليل البيانات، ومسؤولين سابقين في وكالات الهجرة الدولية.

المحور الأساسي كان مرعباً في بساطته: قرار منحك تأشيرة الدخول أو رفضها، لم يعد يتخذه قنصل بشري يقرأ أوراقك أو يستمع لمبرراتك، بل تتخذه "خوارزمية" باردة تقبع في خوادم سحابية بعيدة.

استمعتُ باهتمام لشهادات موثقة حول ما يُعرف بـ "الظل الرقمي" (Digital Shadow). اليوم، عندما تتقدم بطلب هجرة أو حتى تأشيرة زيارة عادية، تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بمسح شامل لتاريخك الرقمي.

الآلة تحلل منشوراتك على وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات، تقيم شبكة أصدقائك، ترصد الكلمات المفتاحية التي تستخدمها، بل وتحلل "مشاعرك" وانفعالاتك في التعليقات (Sentiment Analysis) لتصنيفك ضمن فئات "مخاطر أمنية" أو "احتمالية هجرة غير شرعية".

المأساة التي طُرحت في القاعة بصوت عالٍ هي: ماذا لو أساءت الآلة فهم نكتة ساخرة كتبتها في تغريدة قديمة؟ ماذا لو كان أحد أصدقائك الافتراضيين على قائمة اشتباه دون علمك؟ في العالم القديم، كنت تستطيع أن تشرح للقنصل أو الموظف حقيقة الأمر. أما اليوم، فالآلة تضع بجانب اسمك "علامة حمراء"، وتُرفض تأشيرتك إلكترونياً دون إبداء أسباب، ودون أي فرصة بشرية للمواجهة أو الاستئناف. لقد صُدمت وأنا أستمع لقصص صحفيين، وطلاب، وباحثين، دُمرت مستقبلاتهم المهنية لأن كوداً برمجياً غبياً قرر أنهم يشكلون "خطراً محتملاً".

الفصل العنصري الرقمي: بوابات تفتح للشمال وتوصد في وجه الجنوب

مع تقدم ساعات النهار، انتقلتُ إلى قاعة أخرى كانت تغص بممثلي دول الجنوب العالمي (إفريقيا، أمريكا اللاتينية، وأجزاء من آسيا). هنا، أخذ النقاش طابعاً إنسانياً واجتماعياً شديد المرارة. الجلسة كانت تناقش "التحيز الخوارزمي" (Algorithmic Bias) في أنظمة الحدود الذكية.

لقد كشف المتحدثون عن حقيقة مفادها أن النماذج الذكية التي يتم تركيبها في المطارات ونقاط العبور الحدودية، تم تدريبها في الغالب على بيانات تعود لمواطني الدول الغربية. النتيجة؟ هذه الأنظمة تتعامل مع المسافر القادم من دول الجنوب على أنه "حالة استثنائية" تتطلب تدقيقاً مضاعفاً.

لقد رأيت عروضاً تقديمية توضح كيف تفشل أنظمة التعرف على الوجوه (Facial Recognition) في التعرف الدقيق على ملامح ذوي البشرة السمراء، مما يعرضهم لتوقيف متكرر ومهين في المطارات بحجة "عدم تطابق الهوية".

أحد المندوبين الأفارقة وقف غاضباً في منتصف الجلسة وقال جملة لا تزال ترن في أذني: "أنتم تبنون عالماً يسافر فيه المواطن الغربي عبر بوابات بيومترية تفتح له تلقائياً بابتسامة للكاميرا، بينما يُجبر مواطنونا على تسليم بصمات أعينهم، وأصابعهم، وكلمات مرور هواتفهم المحمولة لمجرد إثبات أنهم بشر مسالمون.. هذا ليس تطوراً تكنولوجياً، هذا فصل عنصري رقمي (Digital Apartheid)".

مأساة اللاجئين في عصر "انعدام الجنسية الرقمية"

بعد استراحة الظهيرة القصيرة، التي لم تخلُ من نقاشات جانبية محتدمة بين الزملاء الصحفيين حول ما نسمعه، دخلنا في المحور الأشد إيلاماً: حقوق اللاجئين في عصر الهوية الرقمية.

تخيل معي هذا السيناريو الذي طُرح في القاعة: إنسان يفر من منطقة حرب طاحنة، منزله قُصف، وأوراقه الثبوتية احترقت، وربما فقد هاتفه الذكي في رحلة الهروب الشاقة عبر البحار أو الغابات.

في الماضي، كان هذا الشخص يصل إلى مخيم لجوء، يسرد قصته، ويُعطى وثيقة ورقية مؤقتة تضمن له حقه في الحياة كإنسان. أما اليوم، في عالم يتجه نحو "رقمنة كل شيء"، كيف يثبت هذا اللاجئ أنه موجود أصلاً؟

النقاشات تناولت مصطلحاً مرعباً هو "انعدام الجنسية الرقمية" (Digital Statelessness). إذا لم تكن مسجلاً في قاعدة بيانات حيوية (Biometric Database)، فأنت ببساطة غير موجود. لا يمكنك الحصول على حصة غذاء من المنظمات الإغاثية التي باتت تستخدم مسح قزحية العين لتوزيع الإعاشات، ولا يمكنك تسجيل أبنائك في مدرسة، ناهيك عن طلب حق اللجوء.

في المقابل، حذرت منظمات المجتمع المدني من كارثة أخرى: جمع البيانات الحيوية للاجئين وتخزينها في خوادم قد تتعرض للاختراق، أو قد تصل بطريقة ما إلى أيدي الأنظمة القمعية التي هربوا منها في الأساس.

اللاجئ اليوم يُجبر على مقايضة حقه في الخصوصية وحماية بياناته الحيوية، مقابل حصوله على خيمة ووجبة طعام. إنها أبشع صور الابتزاز التكنولوجي التي يمكن أن تمارس ضد الحلقة الأضعف في الإنسانية.

الجسد كجواز سفر: تآكل الحق في الخصوصية

مع اقتراب اليوم من نهايته، تركزت النقاشات حول تحول أجسادنا ذاتها إلى "وثائق سفر". أنظمة الهجرة الحديثة لم تعد تكتفي بالاسم وتاريخ الميلاد، بل باتت تطالب ببياناتك الجينية، وبصمة صوتك، وتفاصيل وجهك الدقيقة.

استوقفتني طويلاً مداخلة لأحد نشطاء الحريات الرقمية الذي تساءل: "إلى أين تذهب هذه البيانات بعد أن نعبر الحدود؟ من يضمن ألا يتم بيع بصمات وجوهنا لشركات الدعاية، أو مشاركتها مع أجهزة استخبارات دولية لا تخضع لأي رقابة؟".

الحقيقة التي تبددت أمامي اليوم هي أننا، بدافع الرغبة في السفر السريع والمريح، نتنازل طواعية عن أثمن ما نملك: حقنا في ألا نكون مراقبين طوال الوقت. نحن نسلم مفاتيح هوياتنا البيولوجية لأنظمة لا نعرف كيف تديرها أو من يملك صلاحية الوصول إليها.

نهاية اليوم: العالم يتحول إلى سجن زجاجي كبير

غادرت قاعة المؤتمرات في ليلستروم وأنا أشعر بثقل غير مسبوق. التغطية الصحفية لهذا اليوم لم تكن مجرد رصد لتقنيات جديدة، بل كانت نافذة نطل منها على مستقبل البشرية.

ما خلصت إليه اليوم كصحفي مراقب لهذا المشهد المعقد، هو أن التكنولوجيا التي وُعدنا بأنها ستجعل العالم قرية صغيرة مفتوحة، يتم استخدامها اليوم لتحويل العالم إلى سلسلة من الغرف المعزولة والحواجز الخفية.

الحدود لم تعد تراباً وأسلاكاً شائكة يمكن تسلقها أو الهروب منها، بل أصبحت شفرات وأكواداً ومستشعرات تلاحقنا في كل مكان.

الرسالة التي حملتها من أروقة "IGF 2025" في يومه الرابع هي ناقوس خطر حقيقي لكل المدافعين عن حقوق الإنسان، ولكل صحفي حر، ولكل إنسان يؤمن بحقه في التنقل: المعركة القادمة ليست على الأرض، بل هي معركة لانتزاع هوياتنا من براثن الخوارزميات، ومنع تحويل حقوقنا الأساسية إلى مجرد بيانات خاضعة للمقايضة والتصنيف الآلي.

غداً هو اليوم الختامي لهذه القمة الاستثنائية، وسنرى كيف سيحاول المجتمع الدولي صياغة وعود فضفاضة لترويض هذا الوحش التكنولوجي الذي ابتلع فكرة الحدود التقليدية للأبد.

0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!