اقتصاد

إسدال الستار على “منتدى أوسلو”: توصيات قانونية ثقيلة تفتقر لآليات التنفيذ.. والعالم يتجه بأنظاره نحو قمة نيويورك

عيون المجلس
وقت القراءة: 1 دقيقة

اسلام نور – ESLAM NOUR

في صباح يوم السابع والعشرين من يونيو، وبينما كانت شوارع مدينة ليلستروم النرويجية الهادئة تستعد لاستقبال عطلة نهاية الأسبوع، كان المشهد داخل أروقة مركز "NOVA Spektrum" الممتد مختلفاً تماماً.

كصحفي أمضى الأيام الأربعة الماضية يتنقل بين قاعات هذا المجمع الضخم، يراقب النقاشات الحادة، ويسجل الملاحظات من الكواليس، ويستمع لهمسات الوفود في الممرات، أستطيع أن أؤكد أن هواء اليوم الخامس كان مشبعاً بمزيج غريب من الإرهاق الشديد والترقب الحذر.

اليوم هو يوم الحصاد، يوم تجميع آلاف الساعات من النقاشات، والملاسنات الدبلوماسية، والصدامات الفكرية بين الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) ونشطاء المجتمع المدني، في محاولة يائسة لصبها في قالب واحد يسمى "الوثيقة الختامية".

ورغم أن التسمية الشائعة إعلامياً قد تميل لاختصار الحدث بـ "منتدى أوسلو" لقرب ليلستروم من العاصمة، إلا أن ما كُتب هنا سيحدد مسار العالم بأسره، وليس إسكندنافيا وحدها.

ماراثون الساعات الأخيرة: معركة الفواصل والكلمات المُلغمة

منذ الساعات الأولى لصباح اليوم الختامي، تحول المركز الإعلامي الذي أتواجد فيه إلى خلية نحل. الشاشات الكبرى تعرض البث الحي للقاعات حيث تعكف لجان الصياغة على وضع اللمسات الأخيرة على مخرجات المنتدى. في عالم الدبلوماسية الرقمية، كل كلمة، بل كل فاصلة، تحمل وزناً استراتيجياً قد يكلف دولاً سيادتها، أو يكبد شركات مليارات الدولارات.

تابعتُ عن كثب تلك المعركة الصامتة والشرسة حول المصطلحات. ممثلو الدول الغربية وشركات وادي السيليكون يستميتون لإدراج كلمات مطاطية مثل "جهود طوعية"، "تشجيع الابتكار"، و"التنظيم الذاتي".

في المقابل، تضغط وفود دول الجنوب العالمي، مدعومة بمنظمات حقوقية صارمة، لانتزاع مصطلحات حاسمة مثل "التزامات ملزمة"، "محاسبة شاملة"، و"نقل التكنولوجيا غير المشروط".

لقد رأيت كيف يتم تفريغ بعض التوصيات القوية من مضمونها في اللحظات الأخيرة إرضاءً لأطراف تمتلك النفوذ التقني والمالي. هذه المساومات التي شهدتها اليوم تؤكد حقيقة واحدة: حوكمة الإنترنت ليست نقاشاً أكاديمياً حول مستقبل التكنولوجيا، بل هي صراع جيوسياسي شرس على مقاليد القوة في القرن الحادي والعشرين.

من يسيطر على البنية التحتية، والخوارزميات، وتدفق البيانات، هو من سيحكم العالم، وما يحدث هنا هو محاولة لترسيم حدود هذه الإمبراطوريات الجديدة.

متلازمة "الوثائق الناعمة": توصيات عملاقة بلا مخالب

في منتصف اليوم، ومع بدء تبلور المخرجات النهائية وإعلان التوصيات، بدأتُ أطرح أسئلة مباشرة على عدد من المندوبين والخبراء الذين التقيت بهم في أروقة المنتدى.

الوثائق التي بين أيدينا طموحة جداً، ومصاغة بلغة مثالية؛ فهي تتحدث عن "إنترنت مفتوح وآمن للجميع"، وعن "حماية حقوق الإنسان في الفضاء الرقمي بنفس درجة حمايتها في العالم المادي"، وتدعو إلى الحد من "الاحتكار التقني"، ووضع ضوابط أخلاقية صارمة لـ "الذكاء الاصطناعي التوليدي".

لكن، وكصحفي يقرأ ما وراء السطور، كان السؤال الذي يفرض نفسه: ما هي قيمة هذه التوصيات الثقيلة إذا كانت تفتقر تماماً إلى آليات التنفيذ؟

الردود التي تلقيتها في الكواليس كانت محبطة، وتكشف عن العوار الهيكلي لمنتدى حوكمة الإنترنت نفسه. هذا المنتدى، بحكم تأسيسه، لا يصدر معاهدات أو قرارات قابلة للإنفاذ الجبري. هو ببساطة يفرز ما يُعرف دولياً بـ "القواعد غير الملزمة" أو التوصيات الأدبية.

لا توجد شرطة إنترنت دولية، ولا توجد محكمة عقوبات اقتصادية ستتدخل إذا قررت منصة تواصل اجتماعي كبرى تجاهل هذه التوصيات واستمرت في بيع بيانات المستخدمين، أو إذا قررت دولة قمعية إغلاق الإنترنت بالكامل عن مواطنيها لسحق معارضة سياسية.

لقد بدا جلياً في اليوم الختامي أن هذا "النقص في المخالب التنفيذية" يحول المنتدى، في نظر العديد من المراقبين الميدانيين، إلى مجرد "منصة بوح عالمية" (Talk Shop). مساحة لتنفيس الغضب والتباحث، لكنها تقف عاجزة عن ترويض حيتان التكنولوجيا الذين تتجاوز ميزانيات شركاتهم الناتج المحلي لعشرات الدول المجتمعة في هذه القاعات.

حصاد ليلستروم: وعود معلقة على أكتاف الميثاق الرقمي

رغم حالة الإحباط التكتيكي من غياب الإلزام، إلا أن الإنصاف الصحفي يقتضي رصد الإنجازات الاستراتيجية التي نجح المنتدى في ترسيخها كنقاط ارتكاز للمستقبل. في الجلسة العامة الختامية، تم تسليط الضوء على الإرث الذي تتركه الدورة العشرون لـ "IGF":

  1. الاعتراف الأممي بالفجوة الرقمية كأزمة إنسانية: لأول مرة، لم يتم تناول مسألة الـ 2.6 مليار إنسان غير المتصلين بالإنترنت كـ "مشكلة تقنية" تحتاج لمد كابلات، بل كـ "أزمة حقوقية" تعادل الحرمان من الحق في التعليم والصحة. هذا التحول في الخطاب سيشكل أداة ضغط هائلة على الدول المانحة والبنك الدولي في السنوات القادمة.
  2. فضح وهم "الحياد الخوارزمي": التوصيات الختامية وجهت ضربة قوية لسردية شركات التقنية بأن أنظمتها الذكية "محايدة". الوثائق أقرت رسمياً بوجود "تحيزات منهجية وعنصرية" في خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وطالبت بتأسيس لجان تدقيق مستقلة لتقييم هذه الأنظمة قبل طرحها للجمهور.
  3. البنية التحتية كمنفعة عامة: برز توجه قوي، دعمته دول عديدة، لكسر احتكار القطاع الخاص الساعي للربح، والدعوة لبناء "بنية تحتية رقمية عامة" (Digital Public Infrastructure) ممولة ومدعومة من الحكومات، لضمان استقلالية الدول النامية عن تحكم الشركات الأجنبية في بياناتها الحيوية.

من النرويج إلى نيويورك: قرع طبول المعركة الكبرى

في اللحظات الأخيرة قبل أن تُرفع الجلسة الختامية ويُسدل الستار رسمياً على فعاليات "IGF 2025"، تغيرت نبرة الخطابات. الكلمات الختامية لم تكن توديعية، بل كانت أقرب إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى. جميع المتحدثين، من مسؤولين أمميين ووزراء، وجهوا أنظار الحضور نحو وجهة واحدة: مدينة نيويورك.

لقد كان منتدى ليلستروم، بكل ما شهده من زخم على مدار خمسة أيام، مجرد "بروفة" تحضيرية، أو معسكر تدريب دبلوماسي، تحضيراً للحدث الأضخم والأكثر حساسية: المراجعة الشاملة لمرور 20 عاماً على القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS+20) في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هناك في نيويورك، لن تكون النقاشات ودية. هناك سيتم التصويت على قرارات سيادية، وستُطرح مسودات اتفاقيات دولية قد ترسم شكل الإنترنت للعقود الثلاثة القادمة.

الرسالة التي التقطتها بوضوح كصحفي يغطي هذه التحولات هي أن الدول المتقدمة ستذهب إلى قمة نيويورك لمحاولة الحفاظ على هيمنتها التكنولوجية ونموذجها المنفتح، في حين ستحتشد دول الشرق والجنوب العالمي لفرض رؤيتها حول السيادة الرقمية وكسر الاحتكار الغربي.

وما لم يتم التوصل إلى تسوية تاريخية هناك، فإن شبح تقسيم الإنترنت وانقسامه إلى شبكات إقليمية متناحرة سيصبح واقعاً لا مفر منه.

ختام التغطية: عودة إلى نقطة الصفر

حزمتُ أوراقي ومعداتي وغادرت المركز مع الآلاف من المشاركين. الهواء النرويجي البارد في الخارج كان يتناقض بشدة مع حرارة الملفات التي تركناها خلفنا في الداخل. بصفتي صحفياً رافقكم في هذه التغطية اليومية المكثفة، فإن الشعور الغالب لدي هو أننا نعيش في مرحلة انتقالية خطيرة؛ التكنولوجيا تتسابق بسرعة الضوء محطمة في طريقها كل الثوابت والحدود، بينما مؤسساتنا الدولية وحكوماتنا تركض خلفها لاهثة، محاولة وضع قواعد للعبة تغيرت قوانينها بالفعل.

لقد انتهت قمة أوسلو، لكن الأسئلة المرعبة التي طُرحت هنا سترافقنا لفترة طويلة: هل سيصمد الإنترنت كشبكة عالمية موحدة تجمع البشرية؟ أم سيتحول إلى جزر منعزلة تديرها الحكومات الشمولية من جهة، وتحتكرها شركات التكنولوجيا الجشعة من جهة أخرى؟

الإجابة لن تأتي من النرويج، بل ربما تحملها رياح نيويورك في العام القادم.. وحتى ذلك الحين، ستبقى تغطيتنا مستمرة لكل ما يمس وعيكم ومستقبلكم في هذا الفضاء الرقمي المتلاطم.

0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!