رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
مقالات

إليك _______6 إليكِ يا أمي

بقلم الكاتبة/ نجمة عمر
وقت القراءة: 1 دقيقة
يا ليلَ الغرباء... خفِّف عنَّا ثقل هذا الشعور. كم من صبرٍ حملناه فوق ظهورنا... حتى خُيِّل إلينا أن الجبال الراسيات لو حملت بعضه لانحنت من وطأته. أرى العمر يمضي مسرعًا نحو الماء...لعلَّه يغسل عن القلب مِلْح الظنون... ويترك فيه متَّسعًا لطمأنينةٍ طال انتظارها. لا تأسف... يا ليل، على قلبي؛ فقد ظلمني الزمن... فرضيتُ بكل شيء. ولم يكن رضاي استسلامًا، بل يقينًا بأن لكل شيءٍ موعدًا. قد نسعى لنغيِّر ما بنا، ولكننا لا نُبدي خطوةً واحدة... ثم نتساءل: لماذا يا ترى؟ هل لأننا نخاف؟ أم لأننا لا نملك مأوًى بديلًا؟ أم لأننا اعتدنا حمل الوجع حتى صار جزءًا من ملامحنا؟ كانت كل الطرق تؤدي إلى قلبٍ يشبه الوطن، لكن الشوك ملأها... فمللنا الانتظار، وما كلَّ الصبر يراه البعض صبرا. قد يرونه خنوعا طوعا فيمعنون في الإساءة ويزيدهم ربهم رهقا. رسالتي اعتراف تأجل وكان اليوم موعدها. وقد نضج الوجع وترسب الملح ليصنع طبقة جديدة من الجلد السميك الذي لا يتأثر برياح الهجر ...كجليد لا يتكسر. اعترافٌ بأنني تلك الابنة التي أصبحت سيئةَ التصرّف مع نفسها... وأنني أصبحتُ الأمَّ التي كنتُ أحاول فهمها. أتعلمين يا أمي أنني أصبحت أشبهك في كل شيء؟ حتى في البكاء ليلًا بصمت... والاستيقاظ باكرًا لأعجن الدقيق الأبيض...فأصنع خبزًا لأولادي، وأنسى فنجان قهوتي إلى جوار الصحون المكدسة... فيبرد...ويصعب عليَّ ارتشاف مرارته... باردًا كصقيع القلب حين تُثقله المتاعب. كنتُ لا أراكِ امرأةً مثالية؛ لأنكِ كنتِ تُهملين نفسك... وترضين بكل الوجع... بصمتٍ كان يقلقني وأنا ما زلت طفلةً لا تفهم كيف تستطيع أمٌّ أن تؤجل نفسها كل هذا العمر. واليوم. لم أعد أبحث عن المرأة المثالية. أرى كلَّ مساحيق التجميل لعبةً سهلة الكسر... وأرى أحمر الشفاه مجرد قلم تلوين... يصلح أكثر لرسومات الأطفال فوق الجدران. لم أصرخ يومًا في وجه أولادي وهم يشوِّهون بياض الجدران... بل ظللت أراقبهم بعينٍ رقيبة، وقلبٍ رحيم. لم يعرفوا الخوف مني؛ لأنهم كانوا يكتبون طفولتهم على جدار غرفة الطعام... ويرسمون فوق جدران غرفة النوم أحلامهم الصغيرة. كنتُ أراهم يشبعون وهم يرسمون... ويملؤون زوايا البيت بقلوبهم الصغيرة... فأدرك أن الجدار الذي يحتضن ضحكاتهم أجمل من جدارٍ ناصع البياض لا يسكنه أحد. كنتِ تتعرَّفين إلى الأمل وتبتسمين... ولا تحاولين الالتصاق بالفرح كثيرًا... وكأنكِ تعرفين جيدًا حدودك مع الوقت. كنتِ تؤجلين الحزن حتى نغفو... وما إن نستيقظ حتى تُشرق شمسك...فنشرب من نور عطفك... ونظن أن الحياة ما زالت بخير. أما أنا... فأحاول أن أفعل الشيء نفسه. حتى أنا، يا أمي... لستُ مثالية، ولستُ كبيرةً بما يكفي لأنجح في إخفاء حزني حتى يغفو أولادي. أنهار في أحضانهم احتياجًا إلى العناق، وتمسح أيديهم الصغيرة وجهي من ملح الدموع... ثم يبتسمون ويهمسون: "ملمس خدِّك ناعم يا ماما." أحتضن كل خوفهم... وأغطيهم برموشي، وأقتطع من قلبي أجزاءً من الأمان... لأوزعها عليهم بالتساوي، وأخفي عنهم ما استطعت من تعبي... حتى يناموا مطمئنين، كما كنتِ تفعلين أنتِ. ماما... التقدُّم في العمر مرعبٌ جدًا. تلك التجاعيد التي تشبه خيوط الزمن وهي تُطرِّز وجوهنا بصمت... وذلك البياض الذي يزحف إلى الشعر مرةً بعد أخرى... وذلك القلب الذي يصبح أكثر وحدة، ويندم على الوقت الذي مضى دون أن يأخذ نصيبه الكامل من الحب. كنتِ تخبرينني أن الحب لا يوجد إلا في المسلسلات والأفلام... وأنه أكبر كذبةٍ يصدِّقها الحالمون. لكنني لم أصدقك. كنتُ أسترق النظر إلى القبل المبعثرة هنا وهناك... وأحلم بأن أكون سعيدة الحظ مثل سندريلا... أو كالأميرة النائمة. لكن الحكايات لا تشبه الحياة. حتى الوحش الذي أحببتُه ظلَّ وحشًا، ولم يتحول يومًا إلى أميرٍ وسيم. واليوم... أفهم لماذا كنتِ تبتسمين بحزن... ولماذا كنتِ تؤجلين الفرح، ولماذا كنتِ تخفين دموعك حتى ننام. ما زالت رائحة الحب التي سكنت بيننا تزورني حينًا بعد حين... ولا أستطيع أن أتماسك حتى لا أبكي. وحين أنظر إلى المرآة... لا أرى وجهي وحده. أراكِ أنتِ. أراكِ في التجاعيد التي بدأت ترسم ملامحي... وفي الشعيرات البيضاء التي تسبقني إلى العمر... وفي قلبي الذي صار يتعب بصمت... وفي يديَّ اللتين تعجنان الخبز كل صباح...وفي الدعاء الذي يسبق نوم أولادي. لقد أصبحتُ أنتِ. ولم أعد أخاف من هذا الشبه. أصبحت أشبه قلب أمي وقلبي طفل صغير يحتاج أمه. طفل يلعب دور الشجاع الذي لا يخاف الظلام . وحين يسألني أحدهم: لماذا كل هذا الصبر؟ أبتسم، وأتذكرك، ثم أجيب بهدوء: لأنني... أم.
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!