مقالات
لَيْلَةٌ… اسْتَقَالَ فِيهَا العَقْلُ
المساطيل... بين التفسير والتبرير
هنا... مرَّ أحدهم يبكي.
لم يسأل عنه أحد.
كان يبكي بهدوءٍ شديد،
كأن دموعه تخشى أن توقظ شيئًا نائمًا في داخله.
مرَّ بجوار الضوء... فلم يتبعه الضوء.
مرَّ بجوار المرآة... فأدارت المرآة وجهها.
وحين وصل إلى آخر الشارع،
التفت إلى الخلف.
كان ظله ما يزال هناك.
وحده.
يبكي.
في تلك الليلة،
حدث شيءٌ لم تسجله الساعات.
الساعة الثالثة كانت تمشي،
لكن الزمن كان واقفًا.
البيوت أغلقت نوافذها،
والمدينة نامت،
إلا نافذةً واحدة
كان يخرج منها ضوءٌ لا يشبه الضوء.
قيل إن أحدهم دخلها.
وقيل إن أحدهم خرج منها.
لكن أحدًا لم يرَ الباب يُفتح.
في الصباح،
وجد الناس أشياءهم في أماكنها.
المفاتيح.
الأبواب.
الأكواب.
الطرقات.
حتى الضحكات كانت موجودة.
كل شيء كان طبيعيًا.
إلا شيء واحد.
كان العقل قد اختفى.
ولم يترك خلفه
إلا سؤالًا صغيرًا:
من الذي يفكر الآن؟
لا أحد يعرف متى يبدأ العقل في الغياب.
ربما حين يكثر الضجيج
حتى يصبح الصمت مؤلمًا.
ربما حين يطول الوجع
حتى تبدو اللامبالاة رحمة.
ربما حين يبحث الإنسان عن باب
فلا يجد إلا جدارًا.
وربما.
حين يتعب من حمل نفسه،
فيبدأ في البحث عن شيءٍ يحمله بدلًا منه.
هناك أشياء لا تأتيك لتؤذيك.
تأتيك أولًا
كأنها تعرفك.
تجلس بجوار تعبك.
تربت على كتفك.
وتقول:
لا تسأل الليلة.
ثم تمنحك شيئًا
يشبه الراحة.
ولا تعرف.
هل كان ذلك الشيء
دواءً مؤقتًا؟
أم كان أول حجر
في الطريق إلى الغياب؟
ليس كل من يبحث عن الضباب
عاشقًا للضباب.
بعضهم كان يبحث عن ثانية واحدة
لا يسمع فيها رأسه.
وبعضهم لم يكن يريد أن يصبح شخصًا آخر...
كان فقط
يريد أن يتوقف عن كونه الشخص الذي أتعبه.
وهنا تبدأ الحكاية.
ليس عند الكوب.
ولا عند الدخان.
ولا عند الباب.
بل قبل ذلك بكثير.
في تلك اللحظة الصغيرة
التي يهمس فيها الإنسان لنفسه:
«كفى.»
ثم يحدث ما لا ينبغي أن يحدث.
يظهر صوت.
لا تعرف من أين جاء.
لا يصرخ.
لا يأمر.
فقط يقول:
اتركني أحمل عنك هذا الليل.
وقد يكون الليل.
كوبًا.
وقد يكون فكرة.
وقد يكون جماعة.
وقد يكون مالًا.
وقد يكون سلطة.
وقد يكون حبًا يتحول إلى قيد.
الأسماء تتغير.
لكن الإنسان المتعب
يميل أحيانًا إلى الشيء الذي يمنحه
إجابة أسرع من السؤال.
في مكانٍ ما من المدينة،
كان أحدهم يضحك.
وفي مكانٍ آخر،
كان أحدهم يبكي.
وفي مكانٍ ثالث،
كان أحدهم يردد كلامًا لم يفكر فيه.
وفي مكانٍ رابع،
كان أحدهم يعدّ أمواله للمرة العاشرة
كي يتأكد أنه ما يزال موجودًا.
لم يكن بينهم شيء مشترك،
كما يبدو.
لكن الليل.
كان يعرف السر.
كان يعرف أن بعض البشر
لا يهربون من العالم.
إنهم يهربون من الصورة التي صاروا عليها داخله.
وهكذا.
استقال العقل.
لا دفعةً واحدة.
بل على هيئة همسات.
توقف عن السؤال قليلًا.
ثم توقف عن الاعتراض.
ثم توقف عن الدهشة.
ثم صار كل شيءٍ يمر أمامه
دون أن يوقظه.
حتى جاء الصباح.
فلم يعرف أحد:
هل نام الإنسان؟
أم نام العقل؟
أم أن أحدهما
لم يكن موجودًا منذ البداية؟
ربما لهذا السبب
لا ينبغي أن نسأل دائمًا:
لماذا سقط؟
فالسقوط لحظة.
أما الطريق إليه...
فقد يكون طويلًا
إلى درجة أن أحدًا لم يلاحظ
أن الإنسان كان يسقط
وهو واقف.
وهنا.
مرَّ أحدهم يبكي مرةً أخرى.
لكن هذه المرة
لم يكن وحده.
كان يمشي بجواره
شيءٌ لا نراه.
شيءٌ يعرف الطريق.
شيءٌ لا يحتاج إلى باب.
شيءٌ لا يطلب منك سوى شيء واحد:
أن تكفَّ عن السؤال.
فهل كان ذلك الشيء
هو المنقذ؟
أم كان أول من عرف
أن العقل.
على وشك أن يستقيل؟
والآن، قبل أن تُكمل القراءة.
لا تبحث عن ذلك الرجل.
لا تبحث عن الكوب.
ولا عن الدخان.
ولا عن الجماعة.
ولا عن المال.
ابحث فقط عن تلك اللحظة التي مرّت بك ذات ليلة.
حين تمنيت... ولو لثوانٍ،
ألا تفكر.
فربما.
كانت تلك أول ليلة
استقال فيها العقل.
لذلك... لا تسأل عن الدخان... واسأل عن الحريق الذي سبقه.
لا تسأل فقط: لماذا سقط؟ فربما كان يسقط منذ زمن، وهو يمشي واقفًا.
قد لا يكون ما شربه هو السم...بل ما شربه من خذلانٍ وصمتٍ ووحدة... حتى صار يبحث عن شيءٍ يسكّن الضجيج في داخله.
ولعلنا لسنا بعيدين عنه كما نظن؛ فكلٌّ منا قد يهرب بطريقته... إلى عملٍ يستهلكه... أو شاشةٍ تبتلعه... أو وعدٍ يؤجله دائمًا إلى الغد.
لسنا هنا لنصفّق للسقوط، ولا لنرجم من سقط. ربما يكفي أن نقترب قليلًا... وأن نقول لمن أثقلته الأيام:
هات... أحمل عنك شيئًا من هذا الليل.
فبعض الناس لا يحتاجون إلى من يحاكمهم... بل إلى من يذكّرهم أنهم ما زالوا يستحقون النجاة.
وربما... لو حمل كل واحدٍ منا عن أخيه حجرًا واحدًا... لما احتاج كثيرون إلى أن يبحثوا عن النسيان في كأسٍ أو دخانٍ أو وهم.
لأن العقل لا يستقيل فجأة... إنه ينسحب حبةً حبة... كلما شعر الإنسان أن لا أحد يسمعه.
وربما كانت مهمتنا... قبل أن نسأل: من المخطئ؟ أن نسأل سؤالًا أبسط:
من يحتاج الآن... أن نجلس إلى جواره؟
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!