مقالات
“نجوم بيضاء فوق رأسى”
أدبيات أحمديات
نجومٌ بيضاء فوقَ رأسي
أشعرُ في هذهِ المرحلةِ من العمر أنني أحملُ فوقَ رأسي نجومًا بيضاء تتلألأُ في سماءٍ سوداء وتقولُ لي إنَّ العمرَ لم يكنْ يومًا مجرّدَ سنوات... وفي وسطِ هذهِ السماءِ يعتلي قمرٌ هادئ فيه صفاءُ العمر ونقاءُ ما تبقّى من القلب ويستندُ على جبالِ الزمان وعلى قوةِ الدهر ويمضي فوقَ تاريخٍ طويل من الذكريات...هذا الجسدُ شهدَ الطريقَ طويلًا وعبرتْ فوقَهُ السنوات فلم تأخذْ منهُ إلا ما تركتْهُ من حكايات حملَ العمرَ فوقَ كتفيه ومضى وتركَ الزمانُ على وجهي علاماتِ الطريق وكتبتِ الأيامُ على يدي حكاياتِ السنين وكلُّ خطٍّ في الوجه حكايةُ معركة وكلُّ شعرةٍ بيضاء نجمةٌ علّقها الزمنُ فوقَ رأسي تكريمًا لما مضى...لكنني اليوم لا أقفُ أمامَ الزمنِ خائفًا ولا أنظرُ إلى ما مضى كأنني فقدتُه... أنا أقفُ أمامَهُ وأقول
يا زمن... لقد مررتَ بي طويلًا لكنّك
لم تكسرني أخذتَ من عمري أعوامًا وأعطيتني أعوامًا من الخبرةوأخذتَ من وجهي ملامحَ الشباب وتركتَ فيهِ ملامحَ رجلٍ عرفَ الحياة وعرفَ الناس وعرفَ معنى أن يخسرَ ثم يبتسمَ ويكملَ الطريق...أنا اليوم أقوى من زمنٍ مضى... أقوى من كلِّ يومٍ ظننتُ فيهِ أنني لن أستطيع أقوى من كلِّ بابٍ أُغلقَ في وجهي أقوى من كلِّ حلمٍ تأخر وأقوى من كلِّ وجعٍ ظننتُ يومًا أنني لن أنجوَ منه...فأنا لم أصلْ إلى هنا لأن الطريقَ كان سهلًا... بل لأنني كنتُ أصلبَ من الطريق ولم أبقَ واقفًا لأن الحياةَ كانت رحيمة... بل لأنني تعلّمتُ كيف أقفُ حين لا يمدُّ لي أحدٌ يده.
واليوم حين أنظرُ إلى شعري الأبيض
لاأراهُ نهايةَ الشباب... بل أراهُ بدايةً أخرى فالشبابُ الحقيقي لا يسكنُ الشعرَ ولا يسكنُ الوجه... الشبابُ يسكنُ الروح وروحي اليوم تولدُ من جديد تولدُ من كلِّ حلمٍ ظننتهُ مات من كلِّ ضحكةٍ خبأتها الأيام من كلِّ أمنيةٍ قديمة ما زالتْ تناديني من بعيد...كأنني أعودُ طفلًا لكنني أحملُ في قلبي عمرَ رجلٍ كامل أعودُ لأحلم لا لأنني نسيتُ ما حدث... بل لأنني عرفتُ أن الحياةَ لا تنتهي عندَ أولِ خسارة وأن القلبَ الذي بكى كثيرًا يمكنهُ أن يحبَّ من جديد. وأن الروحَ التي أتعبتها الأيام يمكنها أن تُزهرَ من جديد وأن الإنسان قد يكبرُ في العمر لكنّهُ يستطيعُ أن يولدَ في روحهِ كلَّ يومٍ من جديد...ولهذا كلما رأيتُ نجمةً بيضاء ظهرتْ فوقَ رأسي ابتسمتُ وقلتُ لها: أهلًا بكِ... أنتِ لستِ علامةَ نهاية... أنتِ شهادةٌ أنني عشت وأنني أحببت وأنني تعبت وأنني وقعت وأنني نهضت وأنني خسرتُ أشياء كان قلبي يتمنى بقاءها... ومع ذلك ما زلتُ هنا ما زلتُ أحلم ما زلتُ أحب ما زلتُ أشتاق وما زالتْ في روحي مساحةٌ واسعة لشبابٍ جديد...وفي آخرِ الليل حين أقفُ أمامَ المرآة وأرى وجهي الذي غيّرتهُ السنوات وشعري الذي أضاءهُ الشيب لا أبحثُ عن الشابِّ الذي كنتُه... فقد أدركتُ أخيرًا أن أجملَ ما في العمر ليس أن نبقى شبابًا... بل أن نكبرَ ولا نموتُ من الداخل. أن تتعبَ أجسادُنا ولا تتعبَ أرواحُنا أن تبكي أعينُنا ولا يموتَ الأملُ في قلوبنا أن يأخذَ الزمنُ منّا ما يشاء ونبقى نحن...
نحملُ أرواحنا ونمضي...وفي يدي بقايا أحلام... وفي قلبي بقايا طفل... وفوقَ رأسي نجومٌ بيضاء... وفي روحي شبابٌ يولدُ من جديد...وفي آخرِ
الطريق حين تنتهي الحكاية ويهدأُ كلُّ شيء لن أحزنَ على العمر فقد كانَ لي... بكلِّ ما فيهِ من فرحٍ ووجع ومن لقاءٍ وفراق... سأبتسمُ فقط وأقول:
الحمدُ لله... عشتُ كثيرًا وأحببتُ كثيرًا وبكيتُ كثيرًا... وكانَ لي في هذهِ الدنيا قلبٌ...وما أجملَ أن يرحلَ الإنسان وقد تركَ في قلبِ أحدٍ شيئًا من الحب.
ليست وداعا بل سلاما مع النفس.
تحياتى ومن عنديات...أحمديات
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!