رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
رئيس مجلس الإدارة أحمد نور
رئيس التحرير محمد عبدالعظيم
رئيس التحرير التنفيذي وليد كساب
منوعات

المرأه التى روعت باريس (بلانش)

عيون المجلس
وقت القراءة: 1 دقيقة
كتبت - هالة نصر في 23 آذار / مارس عام 1901 وصلت رسالة من مجهول إلى مكتب المدعي العام في باريس وتضمنت الآتي : " سيدي النائب العام ، لي الشرف في أن أبلغكم بوقوع حادثة خطيرة للغاية ، أنا أتكلم عن عانس تم حبسها في منزل السيدة مونييه ، نصف جائعة تعيش على القمامة العفنة لخمسة وعشرون عاما مضت ، بكلمة واحدة يمكن القول بأنها تعيش في قذارتها " . عائلة مونييه كانت من أرقى العوائل الباريسية. المدعي العام وجد صعوبة في تصديق ما تضمنته الرسالة ، فالسيدة مونييه ، أو بالأحرى الأرملة لويز مونييه ، كانت من وجوه المجتمع الباريسي الراقي ، وزوجها أميل مونييه كان شخصا بارزا شغل منصب عميد كلية الفنون لسنوات قبل وفاته ، أما أبنها مارسيل فكان حقوقيا محترما أمضى ردحا من حياته كمحافظ لإحدى المدن الفرنسية . كان آل مونييه نموذجا للعائلة الفرنسية المثالية حتى أنهم حصلوا على جائزة (العمل الجيد) والتي كانت تمنح للمواطنين الفرنسيين المتميزين من ذوي الفضائل والمناقب . كما أن العائلة تنحدر من إحدى أعرق الأسر الفرنسية النبيلة . الشائبة الوحيدة في سجل آل مونييه الناصع البياض كان يتمثل في أبنتهم ، الآنسة بلانش ، التي اختفت بصورة مفاجئة قبل 25 عاما ولم يرها أحد منذ ذلك الحين . وقد قيل حينها بأنها أحبت رجلا لم يوافق أهلها عليه فهربت معه . آل مونييه أنفسهم كانوا يتجنبون الحديث عن ابنتهم المفقودة ، مضوا في حياتهم وكأنما لم تكن لديهم يوما ابنة أسمها بلانش . لكن تلك البنت لم تكن الأمر الغامض الوحيد في حياة العائلة ، فعلى مدى سنوات طويلة سرت قصص وحكايات ترتعد لها الفرائص عن أمور مخيفة تقع في منزل العائلة الفخم الذي يقبع في أحد أرقى الأحياء الباريسية . الخدم وبعض زوار العائلة أقسموا بأنهم سمعوا صرخات وآهات موحشة يتردد صداها في جنبات ذلك المنزل الكئيب ولا أحد يعلم مصدرها ، لذلك أشيع بأن المنزل مسكون بالأشباح . كان هناك غموض حول مصير ابنة العائلة .. كانت عائلة مونييه فوق الشبهات ، لكن المدعي العام كان على علم بشأن قضية أبنتهم المفقودة وما يتردد حول منزلهم من أمور غامضة ، لذلك قرر إرسال بعض محققيه ليتبينوا حقيقة ما ورد من معلومات في الرسالة الغامضة . رجال الشرطة طرقوا باب آل مونييه وهم يحملون أمرا قضائيا بتفتيش المنزل ، وسرعان ما راحوا يجوبون أرجاء المنزل الواسع بحثا عن أي شيء غير مألوف أو مثير للشبهات . أخيرا وصلوا لباب مقفل في الطابق العلوي فطلبوا فتحه ، لكن الخدم قالوا بأن المفتاح مفقود ، فلم يجد رجال الشرطة بدا من فتح الباب عنوة ، وما أن فعلوا ذلك حتى وجدوا أنفسهم وسط ظلام دامس ورائحة كريهة لا تطاق كأنهم ولجوا إلى قبر مغلق منذ قرون . وبصعوبة ومشقة كبيرة تمكن أحدهم من فتح نوافذ تلك الحجرة دامسة الظلام ، الغريب أنه ما أن لمس الستائر بأصابعه حتى هوت أرضا تحمل معها سيلا لا ينتهي من التراب كأنها لم تفتح منذ دهور . ولندع الضابط المسئول يحدثنا عما وقع بعد ذلك ، فقد كتب في تقريره التالي : " حالما دخل الضوء من النافذة لاحظنا وجود امرأة في مؤخرة الغرفة وهي تقبع فوق سرير وتغطي رأسها وجسدها بلحاف قذر ، وقد تم التعرف عليها بأنها الآنسة بلانش مونييه . المرأة المسكينة كانت ترقد عارية تماما فوق ذلك الفراش من القش العفن ، وحولها كانت توجد بقعة كبيرة من البراز وبقايا الطعام من لحوم وخضروات وسمك وخبز عفن ، حتى أننا رأينا صدف المحار ، وكانت هناك حشرات تجري فوق الفراش . الهواء كان ثقيلا لا يطاق ، تنبعث منه رائحة كريهة خانقة بحيث أننا لم نتمكن من البقاء لفترة طويلة من اجل إنهاء تحقيقنا " . هكذا تكشف أخيرا سر عائلة مونييه الرهيب .. فابنتهم التي زعموا بأنها مختفية منذ ما يزيد على العشرين عاما اتضح بأنها لم تغادر المنزل أصلا ، طوال تلك السنوات كانت الفتاة المسكينة حبيسة غرفتها تعيش وسط كومة من القاذورات وفي ظلام دامس . كان جسدها متسخا وشعرها طويل جدا وعظامها تكاد تفر من جسدها لشدة هزالها إذ بالكاد كانت تزن 25 كيلوغرام . كان منظرها الآنسة بلانش مروعا ومخيفا فظن رجال الشرطة بأنها تحتضر وقاموا بلفها بلحافها القذر ثم هرعوا بها إلى المستشفى ، وفي هذه الأثناء كانت أمها ، السيدة لويز مونييه ، تجلس بهدوء وبرود كبير في البهو الكبير وهي تطرز قطعة قماش غير آبهة بما يجري من حولها . في المستشفى قاموا بغسل بلانش وتنظيفها ، الممرضات قلن بأن بلانش شعرت بسعادة عارمة حين لامس الماء جسدها واستنشقت هواءا نظيفا ، حتى أنها هتفت بحماسة كالأطفال : "ما أجمل هذا !" . لكن على عكس استمتاعها بالماء والهواء النقي كانت لا تتحمل الضوء وتفر منه ، ربما بسبب السنوات الطويلة التي قضتها في الظلمة لم تعد عيناها وبشرتها تتحمل الضوء . ولاحظ الجميع بأنها هادئة ومستكينة جدا ، بالكاد تتكلم أو تتحرك ، على عكس ما زعمه شقيقها مارسيل من أنها : " هوجاء وعصبية وشديدة الحماس " .
0%
تم نسخ رابط المقال للمشاركة!